تللسقف بين الماضي والحاضر
اعداد غزوان القس يونان
تللسقف لفظة كلدانية تتكون من مقطعين (تلا زقيپا) وتلا تعني التل، وزقيبا تعني المنتصب أو الصليب. يعود تاريخ تأسيسها إلى حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. وهناك مخطوطات قديمة تتحدث عن بلدة تللسقف، ففي خزانة الأبرشية الكلدانية في كركوك مخطوطة كلدانية قديمة كتبها أبراهام بن بدعة التللسقفي سنة 1582. وفي خزانة دير السيدة مخطوطتان كلدانيتان كتبهما القس إبراهيم التللسقفي، إحداهما كتبها سنة 1793 وأخرى سنة 1794، ومخطوطة أخرى كتبها توما بن نيسان التللسقفي سنة 1819. وفي خزانة برلين ثلاث مخطوطات كلدانية أيضًا كتبت في تللسقف. ولها ذكر في معجم البلدان بخلاف القرى المهمة القريبة منها مثل تلكيف وباقوفة وباطنايا والقوش إذ لا يوجد لها ذكر فيه، قال ياقوت الحموي في وصفها: تل أسقف بلفظ واحد، أساقفة النصارى، قرية كبيرة من أعمال الموصل شرقي دجلتها. تقع وسط سهل نينوى الشمالي، وهي تتبع إداريًا قضاء تلكيف وكنسيًا أبرشية القوش الكلدانية. البلدة تتوسط المسافة تقريبًا مع شقيقاتها الأخرى، فهي تقع جنوبي بلدة القوش مسافة 15 كم تقريبًا، وشمالي بلدة تلكيف 13 كم، وبهذا يكون موقعها استراتيجيًا جدًا لكونها حلقة الوصل بين بلدات أبناء شعبنا في سهل نينوى الشمالي، إذ كانت في العهود الماضية محطة استراحة وملتقى القوافل التي تدخل نينوى ذهابًا وتخرج منها في الإياب. بين عامي 1923 و1924 تم إنشاء أول مدرسة ابتدائية في تللسقف، واليوم تضم البلدة ست مدارس لجميع المراحل العمرية الدراسية. بالإضافة إلى ذلك توجد فيها عدد من المؤسسات والدوائر الحكومية. فالزراعة تشكل موردًا مهمًا من مصادر المعيشة لأبنائها، فيتم زراعة أراضيها الخصبة الشاسعة التي تبلغ 25000 دونم تقريبًا بالحنطة والشعير والبقوليات والبطيخ، وكذلك هناك من يزاول التجارة والأعمال الحرة بالإضافة إلى قطاع الوظائف الحكومية. أما سابقًا فالبعض من أهالي البلدة امتهن الصناعات الحرفية مثل صناعة الفخار وغزل الصوف ونسج السجاد ودباغة الجلود التي اندثرت تقريبًا، وظهرت محلها النجارة والحلاقة والقصابة وغيرها من الحرف. يحدها من الشمال قرى الأشقاء الإيزيديين خوشابا وسريشكة ودوغات، ومن الغرب تحدها قرى حتارة كبير وتلسين ومسقلاط، ومن الجنوب تحدها قرى كفروك وكاني شرين وفلفيل إضافة إلى قرية باطنايا وهي إحدى قرى أبناء شعبنا، ومن الشرق تحدها قرية باقوفة التاريخية الجميلة مسقط رأس العلامة الكبير مثلث الرحمات المطران يعقوب أوجين منا طيب الذكر. كانت تسكن بلدة تللسقف قبل هجوم تنظيم داعش الإرهابي عام 2014 أكثر من (2500) ألف وخمسمئة عائلة من الكلدان. ولمعرفة تفاصيل أكثر ومعلومات أدق استضفنا الكاتب والفنان عصام شابا فلفل، والذي يعتبر من الشخصيات الثقافية والأدبية المعروفة في البلدة وفي سهل نينوى بشكل عام.
الحارات والأحياء الشعبية: وفي هذا الخصوص يتحدث لنا السيد عصام ويقول إن تللسقف حالها حال باقي المدن والقرى، تتكون من عدد كبير من الأحياء والحارات الشعبية، تفصل بين تلك الحارات والأحياء بعض الأزقة أو بعض الوديان أو الساحات العامة والبيادر وغيرها. وسنذكر أدناه جميع الأحياء والحارات التي تتكون منها تللسقف:
أ - حارات وأحياء تللسقف القديمة: 1- محلة الدباغي (محلة الدباغين) محلي الدباغي (بيت ياقو توما دكو وبيت ماميي) 2- محلة شيوا دقيبو (محلة مستنقع الدجاجة الأم) 3- حي الدكي 4- حي جادة اتقتا (الشارع القديم) 5- محلي دبي عم ساوة وبي كنوزي 6- حي الدليا 7- محلي دبي قاشا 8- محلي دبي عربو وبي شمونكا وزعيفا 9- محلي دبي يدكو أو محلي دبي عكو 10- محلة مار ياقو 11- حي مار كوركيس 12- الولا علايا 13- محلي دتلا 14- حي رأمتا 15- محلي دبي خمرو
ب - الحارات والأحياء الشعبية الحديثة في تللسقف: 1- حي الجندي 2- حي السلام 3- حي دكي الجديد 4- حي الضباط 5- حي أكد (الحواسم سابقًا) 6- حي النور 7- حي آشور
السوق: موقعها الحيوي جعل من سوقها مركزًا تجاريًا بارزًا، يلقى قاصده كل المستلزمات المطلوبة، حيث كان أغلب سكان المنطقة من مختلف الانتماءات الدينية والعرقية يتوجهون لهذا السوق، والذي كان منتعشًا لعقود من الزمن، إلى أن دخلها داعش فحطم المدينة وأصاب الشلل جميع مرافقها، واليوم يحاول أبناؤها مجددًا إعادة الحياة للحركة التجارية من خلال توفير كافة الاحتياجات لاستقطاب الناس وإعادة السوق إلى سابق عهده.
الأديرة والكنائس والمزارات: وهنا يتحدث ضيفنا السيد عصام بإسهاب بأن هنالك ميزة في تللسقف تجعلها مدينة أثرية تاريخية قديمة قدم الزمان، وتلك الميزة هي وجود العديد من الأماكن الأثرية القديمة جدًا في القرية وحواليها، التي يعتقد الباحثون بأنها قد بُنيت في العصور الغابرة أي قبل انتشار المسيحية بقرون عدة، وفي عصر انتشارها أيضًا ظهرت في المنطقة وخاصة في القرون الأولى العديد من الأديرة والكنائس، وندرج أدناه ما توفر لدينا من معلومات شحيحة جدًا حول تلك الأديرة والأماكن الأثرية:
1- دير أفني مارن مقبرة دير ابنيمارن في تللسقف وبقايا الحائط الغربي منه 2- دير مار (سهذونا) سادونا 3- كنيسة مار يعقوب المقطع: كنيسة مار يعقوب المقطع قبل التجديد 4- كنيسة مار كوركيس (شفيع البلدة): كنيسة مار كوركيس قبل التجديد الحديث – كنيسة مار كوركيس بعد التجديد عام 2019 على يد الأب الفاضل الدكتور سالار بوداغ 5- كنيسة ومزار مارت شموني: كنيسة مار شموني في تللسقف بعد التجديد عام 2020 6- دير الراهبات القديم قرب كنيسة مار يعقوب المقطع 7- مزار مريم العذراء
الأزياء: زي الرجال يتكون من (كركثا، شوقتا، بشما، شبوكثا، دمير، شروال، عباية) إضافة إلى غطاء الرأس الذي كان على الأغلب بوشية، ومن ثم استبداله باليشماغ، ولم يستمر هذا الزي بسبب توجه الشباب حينها إلى ارتداء الزي العربي كالصاية والغطرة والعقال. أما زي النساء فما زال لحد يومنا هذا محافظًا على رونقه وأصالته منذ آلاف السنين، حيث يتكون من (قبايا، شوقتا، خاصا، بوشيه، ميزر، برمالا، مقطنيثا، كركثا).
النكبات والتواريخ المأساوية: تعرضت تللسقف إلى نكبات عديدة، كان أبرزها المذبحة التي قام بها المغول عام 1236م. فقد جاء في قصيدة كلدانية للشاعر كيوركيس وردا وصف بليغ للمجازر التي أجروها في كرمليس وأربل وتللسقف ودير بيث قوقا، فقتلوا الآلاف من سكانها وأحرقوا الحقول والمساكن ودور العبادة وأبادوا الحضارة وشردوا الآلاف، ولم يسلم منهم إلا من فر هاربًا ناجيًا بنفسه إلى الجبال القصية، ولم تسلم كنيسة مار يعقوب المقطع في تللسقف فقد دُمّرت بكاملها. وكذلك تعرضت تللسقف إلى هجوم عساكر بارياق المغولي عام 1508م، مثلما تعرضت تلكيف والقوش ودير الربان هرمزد للهجوم نفسه، كما قصدتها عساكر نادر شاه الفارسي أثناء حصارها لمدينة الموصل عام 1743م، فعملت فيها القتل والدمار والخراب مثلما حدث في كرمليس وباخديدا وبرطلة وتلكيف ومناطق عديدة في شرقي الموصل.
الهجرة والاستقرار: لم تكن تللسقف بمنأى عمّا وقع لإخوانها من القرى والبلدات المسيحية من وباء الهجرة الذي ينخر في جسد وجودنا التاريخي، حيث توالت عمليات الهجرة على مراحل بسبب الأحداث والظروف التي أثرت على البقاء في أرض الوطن. رغم كل هذه الموجات المتلاحقة بقيت تللسقف زاخرة وعامرة بأهلها الكلدان المسيحيين، لكن الضربة القاضية كانت حينما احتلها داعش في آب سنة 2014، وعاد في 3 أيار 2015 ليحطم آمال العودة. ومع هذا، بعد التحرير لملم من تبقى من أبنائها جراحهم وأزالوا الركام عن تراب أرضهم الأبي كي يستنشقوا منه تاريخ أجدادهم، فإنهم اليوم يحاولون بشتى السبل كي تبقى تللسقف بلدة متمسكة بإرثها التاريخي والاجتماعي والثقافي والديني. وهنا تجدر الإشارة والإشادة إلى أن التللسقفيين أثبتوا تفوقهم وبراعتهم وهم في بلاد الغربة بعيدين، فكوّنوا جاليات كلدانية ناجحة ومؤثرة في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وفي مدينة سيدني بولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية، ومدن وبلدان أخرى. فلديهم اليوم العديد من الجمعيات الاجتماعية والشخصيات البارزة التي تفتخر بانتمائها إلى تللسقف. ترجمها الى الانكليزية مع العلم ان كثير من الاسماء المكتوبة بالعربية هي لفظات سريانية تحتاج الحرص في ترجمتها الى الانكليزية