المركز الكلداني للثقافة والفنون
ثلاثة عقود من العطاء في خدمة الهوية والتراث
إعداد: غزوان القس يونان مدير مكتب العراق – مؤسسة الجالية الكلدانية
في قلب مدينة دهوك، تبرز بناية مميزة تلفت أنظار المارة والزائرين، بواجهتها المستوحاة من الإرث البابلي الكلداني العريق. فالتفاصيل المعمارية والزخارف والألوان المتناغمة تمنح المكان هوية بصرية خاصة، تعكس عمق التاريخ وامتداد الحضارة التي تستلهم منها. وما إن يقترب الزائر من هذا الصرح حتى يدرك أنه أمام مركز ثقافي لا يقتصر دوره على النشاطات، بل يمثل مشروعاً ثقافياً متكاملاً يسعى إلى حفظ الذاكرة والهوية الكلدانية عبر العمل المستمر والبرامج المتنوعة. وفي تصريح خاص لمجلة Chaldean News، استعرض رئيس المركز الكلداني للثقافة والفنون السيد جورج توما إيشو مسيرة المركز وأبرز محطاته، متحدثاً عن أهدافه وإنجازاته والتحديات التي واجهته منذ تأسيسه وحتى اليوم، ومؤكداً أن هذا الصرح الثقافي استطاع أن يحافظ على حضوره رغم الظروف الصعبة والإمكانات المحدودة. وأوضح أن المركز تأسس عام 1996 بمبادرة من السيد أبلحد أفرام ساوا وبمشاركة نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الكلداني. وأضاف أن مرحلة ما بعد عام 1991 في إقليم كردستان العراق شهدت انفتاحاً واسعاً مكّن المكونات المختلفة من تأسيس مؤسساتها الثقافية، وهو ما شكل دافعاً أساسياً لإنشاء هذا المركز الذي جاء ليملأ فراغاً مهماً في الساحة الثقافية الكلدانية. وبيّن السيد جورج أن الهدف الأساسي من تأسيس المركز كان الحفاظ على التراث الثقافي الكلداني وتعزيز الوعي القومي بين أبناء الشعب الكلداني، إلى جانب ترسيخ الهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة. كما أشار إلى أن المركز حرص منذ بداياته على أن يكون مساحة للحوار والانفتاح مع مختلف مكونات المجتمع، بما يعزز قيم التعايش المشترك. وعن الهيكل التنظيمي، قال السيد جورج أن المركز يتألف من هيئة عامة وهيئة إدارية، إضافة إلى لجان متخصصة تشمل الشباب والأطفال، والإعلام، والتبرعات والتمويل، وأنشطة المرأة. وأكد أن هذه اللجان أسهمت في توسيع نطاق العمل الثقافي وإشراك مختلف الفئات في البرامج والفعاليات. وفي حديثه عن النشاطات، أشار إلى أن المركز نظم خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من المهرجانات والندوات والفعاليات الثقافية التي ركزت على التراث والهوية الكلدانية، إلى جانب أنشطة رياضية واجتماعية متنوعة. كما عمل على تأسيس مكتبة ثقافية تضم كتباً ومراجع مهمة في التاريخ والثقافة، وتنظيم دورات لتعليم لغة الأم باعتبارها أساس الحفاظ على الهوية. كما أكد الضيف أن المركز أولى اهتماماً خاصاً بالشباب، من خلال إشراكهم في الأنشطة الثقافية والرياضية، بهدف بناء جيل مرتبط بجذوره الثقافية وقادر على حمل الرسالة إلى المستقبل. وبيّن أن العمل الثقافي لا يقتصر على الفعاليات، بل يمتد إلى بناء وعي طويل الأمد يعزز الانتماء والهوية. ورغم هذه الإنجازات، لم يخفِ رئيس المركز استمرار وجود تحديات، أبرزها ضعف الوعي القومي لدى بعض أبناء المجتمع الكلداني، إضافة إلى التحدي المالي، خصوصاً بعد توقف الإعانات الحكومية منذ عام 2013، ما دفع المركز إلى الاعتماد على موارده الذاتية واستثمار جزء من ممتلكاته لضمان استمرار نشاطه، ذاكراً وجود تحديات فكرية تتمثل في محاولات التشكيك بالقضية الكلدانية، مؤكداً أن مواجهتها تكون عبر العمل الثقافي الجاد وتعزيز الوعي بالتاريخ والتراث. وفي ختام الحديث، عبّر السيد جورج عن اعتزازه بما تحقق خلال ما يقارب ثلاثة عقود من العمل، مؤكداً أن استمرار العمل في المركز يعود إلى جهود إدارته وإيمانها العميق برسالته. كما شدد على أهمية التواصل مع أبناء الشعب الكلداني في المهجر، ولا سيما في ميشيغان، التي تضم أكبر تجمع كلداني خارج الوطن، بهدف ربط الأجيال بجذورها الثقافية. ويواصل المركز الكلداني للثقافة والفنون في دهوك أداء رسالته الثقافية بثبات، محافظاً على حضوره كأحد أهم المؤسسات الفاعلة في المشهد الثقافي الكلداني، ومستمراً في جهوده لحفظ التراث وتعزيز الهوية ونقلهما للأجيال القادمة.