بين واشنطن وبغداد
حوارٌ حول المواطنة والعودة ومستقبل الوجود المسيحي في العراق
حنّان قيا
ليست كل اللقاءات الرسمية سواء؛ فبعضها ينتهي بانتهاء مراسمه، فيما يفتح بعضها الآخر بابًا لحوار قد يمتد أثره إلى ما بعد قاعة الاجتماع. ومن هذا المنطلق، اكتسب اللقاء الذي جمع وفد مؤسسة الجالية الكلدانية بدولة رئيس مجلس الوزراء العراقي، السيد علي فالح الزيدي، في واشنطن يوم 13 تموز 2026، أهمية خاصة، إذ جاء في مستهل زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة، وكان أول لقاء رسمي يعقده بعد وصوله إلى العاصمة الأمريكية. كنتُ ضمن وفد مؤسسة الجالية الكلدانية الذي ترأسه السيد مارتن منّا، رئيس المؤسسة، بصفتي معاون مدير مكتب العراق، وضم الوفد عددًا من أعضاء المؤسسة ومكتبها في العراق. ومن جانب الحكومة العراقية، حضر معالي وزير الخارجية الدكتور فؤاد حسين، والدكتور محمد تميم، وزير التخطيط الأسبق وعضو مجلس النواب، والنائب مراد إسماعيل، عضو مجلس النواب عن المكون الإيزيدي، والسيد عبد القادر الدخيل، محافظ نينوى، إلى جانب عدد من مستشاري دولة رئيس مجلس الوزراء والدبلوماسيين. لم يكن الاجتماع مناسبة بروتوكولية لتبادل عبارات الترحيب، بل حوارًا مباشرًا وصريحًا تناول القضايا التي تشغل الكلدان وباقي المسيحيين في العراق، في وقت ما تزال فيه الهجرة تستنزف هذا الوجود التاريخي، بينما تستمر التحديات السياسية والإدارية والاقتصادية في التأثير على حياة المواطنين، ولا سيما في سهل نينوى. ركز وفد المؤسسة على مجموعة من الأولويات التي يرى أنها تمثل مدخلًا لمعالجة كثير من هذه التحديات، وفي مقدمتها تنفيذ المادة (125) من الدستور العراقي، واستحداث الوحدات الإدارية في سهل نينوى، وضمان التمثيل السياسي العادل، واستكمال جهود إعادة الإعمار، وتوزيع الأراضي وفق الأطر القانونية، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة العائلات النازحة، إلى جانب حماية الحقوق الدستورية، وصون الحريات الدينية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون. واحتل سهل نينوى مساحة مهمة من النقاش، بوصفه الامتداد التاريخي للمسيحيين العراقيين، ولما يواجهه من تحديات ناجمة عن تعدد المرجعيات الإدارية وتداخل الصلاحيات، الأمر الذي ينعكس على الخدمات والاستقرار وفرص التنمية. وكان واضحًا أن معالجة هذه الإشكالات تمثل خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة، وتهيئة بيئة تشجع العائلات على البقاء أو العودة. وأكد دولة رئيس مجلس الوزراء خلال اللقاء أن التنوع الديني والثقافي يمثل أحد أهم عناصر قوة العراق، وأن حكومته ملتزمة بحماية حقوق جميع المواطنين دون تمييز، والعمل على ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون. كما جدد التزام الحكومة بإعادة إعمار سهل نينوى، وتشجيع عودة العائلات المسيحية إلى بلداتها الأصلية، والحفاظ على الوجود المسيحي في العراق، وتعزيز التواصل مع ممثليهم ومؤسساتهم. ومن بين الموضوعات التي نوقشت خلال اللقاء، أهمية تهيئة الظروف التي تشجع المسيحيين العراقيين في المهجر على العودة، من خلال توفير بيئة مستقرة، واستكمال جهود إعادة الإعمار، وإيجاد تسهيلات للعائلات، إلى جانب تشجيع رجال الأعمال والشركات العراقية في الخارج على الاستثمار في وطنهم. وفي هذا السياق، أكد دولة رئيس مجلس الوزراء التزام الحكومة بمواصلة جهود إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار، والحفاظ على الوجود المسيحي في العراق. وتحمل هذه الرؤية أهمية خاصة، لأن الجاليات العراقية في الخارج لا تمثل امتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا للعراق فحسب، بل تمتلك خبرات علمية ومهنية، وإمكانات اقتصادية، وعلاقات دولية يمكن أن تشكل رافدًا مهمًا لعملية التنمية إذا ما توافرت بيئة قانونية مستقرة، وإدارة كفوءة، وضمانات حقيقية للمواطن والمستثمر على حد سواء. ومع ذلك، فإن نجاح أي توجه لتشجيع العودة سيظل مرهونًا بما يتحقق على أرض الواقع. فالعائلات التي غادرت العراق لم تغادر طوعًا، بل دفعتها ظروف أمنية واقتصادية وسياسية معقدة. أما العودة، فهي تحتاج إلى أكثر من دعوات؛ تحتاج إلى شعور بالأمان، وثقة بمؤسسات الدولة، وفرص حقيقية للحياة والعمل والاستثمار. انتهى اللقاء في واشنطن، لكن القضايا التي طُرحت فيه ستبقى مطروحة إلى أن تجد طريقها إلى التنفيذ. فبين واشنطن، حيث دار الحوار، وبغداد، حيث تُصاغ السياسات وتُتخذ القرارات، تكمن مسؤولية تحويل الرؤى إلى إجراءات ملموسة. وإذا نجحت مؤسسات الدولة في ترجمة هذه التوجهات إلى خطوات عملية، فإن ذلك من شأنه أن يعزز الثقة، ويفتح المجال أمام مزيد من الاستقرار، ويشجع المسيحيين العراقيين، داخل الوطن وخارجه، على الإسهام في مستقبل العراق. فالحفاظ على الوجود المسيحي في العراق ليس قضية تخص مكونًا بعينه، بل هو جزء من صون هوية العراق التاريخية وتنوعه الحضاري. وسيبقى مستقبل العراق مرهونًا بقدرته على أن يكون وطنًا يشعر فيه جميع أبنائه، على اختلاف انتماءاتهم، بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والمسؤوليات، وفي بناء مستقبل وطنهم.