راهبات‭ ‬قلب‭ ‬يسوع‭ ‬الأقدس‭ ‬

اكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬والتضحية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العراق ‭ ‬حنّان‭ ‬قيّا

رهبنة بنات قلب يسوع الأقدس واحدة من الرهبنات الكلدانية النسوية المحلية في العراق، نشأت في أرضه وتجذّرت فيه، وحملت على مدى عقود متتالية رسالة خدمة لم تنقطع رغم كل ما مرّ على هذا البلد من حروب وتهجير وخسائر.

التقيتُ بالأخت سمر كامل ميخا، الرئيسة العامة للرهبنة، وأجابت على أسئلتي بوضوح عن تاريخ هذه المؤسسة وتحدياتها وما تطمح إليه.

البداية كانت في الخامس عشر من آب عام 1911، حين أُسست الرهبنة رسمياً في قرية أرادن شمال العراق، على يد الأب عبد الأحد ريّس، في عهد المطران فرنسيس داود، تحت اسم “رهبنة بنات قلب يسوع الأقدس”. لم تكن البدايات هادئة، فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 والأخوات في خضم خدمتهن، يزرن المرضى ويرشدن النساء ويساعدن الفقراء، معتمدات في معيشتهن على الاعمال اليدوية البسيطة وعطاء المحسنين. ودفع المؤسس ذاته ثمناً باهظاً، إذ فارق الحياة عام 1916 متأثراً بمرض التيفوئيد الذي أصابه أثناء تأديته خدماته الكهنوتية للمرضى. ولم تتوقف سلسلة التحديات عند ذلك، بل توالت الهجرات على الرهبنة عقداً بعد عقد، كان آخرها ما ارتكبه تنظيم داعش في الموصل، حين هجّر مسيحييها وأغلق كنائسها وأديرتها وهدمها.

وفي عام 1998، جُدِّد الدستور الرهباني على ضوء المجمع الفاتيكاني الثاني، وتحوّلت الرهبنة من الحق الأسقفي إلى الحق البطريركي في السادس والعشرين من أيار من العام ذاته، لتنطلق في مرحلة جديدة بانسجام أوسع مع سائر العاملين في الكنيسة.

الكاريزما التي قامت عليها الرهبنة منذ يومها الأول كانت وليدة إلهام روحي عميق، إذ استقت من رسالة القديسة مارغريتا ماريا ألاكوك التي ألهمت المؤسس الأب عبد الأحد في بناء هذا الصرح. ركّز على جنب يسوع المطعون، وجعل الواجب الأول للرهبنة التعريف بقلب يسوع الأقدس وغرس حبه في كل القلوب، مقروناً بعبادة القربان المقدس والبساطة الإنجيلية في تجسيد تواضع المسيح ووداعة قلبه.

وتجلّى هذا في ميادين متعددة اتسمت منذ البداية بالانفتاح الشامل على احتياجات المجتمع العراقي. على صعيد الخدمة الرعوية، اضطلعت الأخوات بالتعليم المسيحي وإدارة الأخويات والجوقات والزيارات الميدانية للعائلات. وفي المجال التربوي، تولّت الرهبنة إدارة رياض الأطفال والمدارس والمعاهد وحتى الكليات مثل كلية بابل للاهوت التي اهتمت الرهبنة في ادارتها لسنوات طويلة ولا زالت الخدمة متواصلة الى الان. أما الخدمة الاجتماعية فامتدت لتشمل توجيه الأمهات والنساء في تربية الأولاد وتنظيم شؤون الأسرة. وإلى جانب ذلك، مارست الأخوات المهن اليدوية من خياطة وتطريز وإعداد التقويات الروحية وكل ما تحتاجه الكنيسة والشعب المؤمن.

وللرهبنة شعار يُسلَّم للأخت عند مجاهرتها بالنذور البسيطة، يجمع بين اللونين الأحمر والأبيض ويحمل رموزاً ذات دلالة. في وسطه قلب يسوع الأقدس مع شعلة الحب محاطةً بصليب القيامة، في إشارة إلى الحب الذي لا يُقهر. ويُطوّق القلبَ إكليلُ الشوك تذكيراً بيسوع المتألم، مع دعوة لكل أخت إلى أن تسعى لاستبدال ذلك الإكليل بإكليل من ورود المحبة. الدائرة البيضاء المحيطة بالقلب ترمز إلى الرهبنة ذاتها بوصفها الأقرب إلى قلبه والساعية إلى اتباع تعاليمه. أما النجمة البابلية الحمراء فتأكيد على أن هذه الرسالة تنطلق من العراق، وهي رمز للشهادة بالكلمة والحياة معاً، وهي شهادة ينبغي لكل بنت من بنات القلب الأقدس أن تتحلى بها. وتمتد من الشعار أشعة نحو الجهات الأربع، تعبيراً عن رسالة تطمح إلى الوصول إلى أصقاع الأرض كافة.

ولعل أكثر ما يختصر روح هذه الرهبنة هو قصة الأخت سيسيليا موشي حنا. وُلدت في قرية بيبوزي، إحدى القرى ذات الأغلبية المسيحية الكلدانية المنتشرة على سفوح جبال كردستان والتابعة لأبرشية العمادية. نذرت نذورها البسيطة في الثاني عشر من كانون الأول 1948 متخذةً اسم سيسيليا تيمناً بالشهيدة الإيطالية، ثم أعلنت نذورها الدائمة في الخامس عشر من آب 2000، ضمن الوجبة الأولى من الأخوات في الرهبنة اللواتي أعلنّ نذورهن الدائمة. عاشت بأمانة كراهبة بسيطة، وتولّت مسؤولية عدة أديرة حتى صارت رئيسة عامة للرهبنة. غير أن مسيرتها انتهت بالشهادة ليلة الخامس عشر والسادس عشر من آب 2002 في “دير المحبة” بشارع فلسطين في بغداد، على يد مجموعة من المتطرفين. وفي العاشر من تشرين الأول 2018، أعلنها مجمع دعاوى القديسين في روما “خادمة الله”.

وللرهبنة احتفالاتها السنوية التي تُعيد فيها استحضار هذا الإرث؛ ففي حزيران من كل عام تحتفل بعيد قلب يسوع، وفي الخامس عشر من آب تُحيي ذكرى تأسيسها في أرادن، وفي السادس عشر من الشهر ذاته تتذكر استشهاد الأخت سيسيليا، وفي السادس عشر من شباط تستعيد ذكرى وفاة مؤسسها الأب عبد الأحد ريّس.

اليوم، تواصل الرهبنة مسيرتها بإحدى وعشرين راهبة نذور دائم وراغبة واحدة، موزعات بين أديرة في عنكاوا ومانكيش وأرادن وبغداد، إضافة إلى حضور في فرنسا بسارسيل وكندا تحت اسم “إرسالية خادمة الله الأخت سيسيليا موشي حنا”. وعلى الرغم من هجران دير النصر في الموصل ودير المحبة في بغداد، تتواصل الرهبنة عملها من خلال مشاريع فاعلة كـ”بيت الطفل” في عنكاوا، و”دار طوبى للرحماء للمسنات” في دهوك، والمشغل الليتورجي في عنكاوا وبغداد.

وفي ختام اللقاء، قالت الأخت سمر: “إن الاستمرار في هذه المسيرة التي تجاوزت الـ100 عام هو أمانة ومسؤولية كبرى”. ووجّهت عبر مجلتنا دعوةً مفتوحة: “أبوابنا وقلوبنا مفتوحة لكل شابة ترى في ذاتها روح الخدمة وترغب في تكريس حياتها لقلب يسوع الأقدس. إن الانتماء لهذه الرهبنة هو دعوة للمحبة والتضحية في سبيل الآخرين، وهي مسيرة نعيشها معاً كعائلة واحدة لنكون شهوداً للرجاء في أرضنا.”

للتواصل مع الرهبنة: الدير العام: دير القلب الأقدس/ محلة كاريز 415 / بجوار كنيسة مار إيليا / عنكاوا / أربيل. صندوق بريد: 54/981 عنكاوا / أربيل عنوان البريد الالكتروني: fscg.iraq19@gmail.com رقم الهاتف: 009647507458196 الموقع الإلكتروني: https://www.d-sacredheart.com https://www.facebook.com/ dsacredheart.official