مكتبة الأسقف إبراهيم إبراهيم

** بقلم: د. عضيد ميري**

يُقال إنّ المكتبة هي المجتمع، والمجتمع هو المكتبة». فالمكتبات ليست مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل فضاءات معرفية مفتوحة تتيح للأفراد من مختلف الخلفيات التواصل والتعلّم وتبادل الخبرات وبناء الذكريات، وهي بيئات آمنة ومحايدة خارج نطاق المنزل والعمل، تستقبل الجميع دون تمييز اجتماعي أو اقتصادي، وتشكل بوابة أساسية للوصول إلى المعرفة والمعلومات.

لم تعد المكتبات اليوم مستودعات للكتب فحسب، بل أصبحت مراكز مجتمعية نابضة بالحياة تقدّم خدمات متنوعة تشمل المطالعة والدراسة والإنترنت، وتوفّر مصادر معرفية ، وتستضيف فعاليات ثقافية وتعليمية، كما تؤدي دورًا محوريًا في دعم الطلاب والمعلمين والدارسين، وترسيخ ثقافة القراءة والتعلّم. ومع ذلك، ما يزال كثيرون يجهلون قيمة هذه الموارد القريبة منهم، ودورالمكتبة الذي يتجاوز مجرد إتاحة الكتب للقراء.

قلب المجتمع تحتل المكتبات موقعًا حيويًا في المجتمع الحديث، فهي القلب النابض لمؤسساته. ومن خلالها يصل الأفراد إلى مصادر اللغة والتاريخ والثقافة، وفرص التواصل الاجتماعي، وتُوفَّر الموارد التعليمية، إذ تعمل المكتبات باستمرار على تلبية احتياجات روّادها المتجددة، وتقديم طيف واسع من المعلومات، وتعزيز الثقافة العامة، وتمكين الأفراد من التطور عبر إتاحة الكتب والمجلات وقواعد البيانات والمواد التعليمية بسهولة.

وتُحدث المكتبات أثرًا ملموسًا في المجتمعات التي تخدمها، إذ تعزز الروابط المجتمعية، وتستضيف فعاليات ثقافية وتعليمية، وتقدّم خدمات مهمة مثل المحاضرات ودروس اللغات وبرامج المواطنة، كما باتت تضطلع بدور متزايد في تقديم خدمات اجتماعية ومدنية، مثل تسجيل الناخبين وتنظيم جلسات ثقافية وفنية. ومن خلال الابتكار وتوسيع خدماتها، تظل المكتبات ركائز أساسية في المجتمع، ومراكز حيوية للتعلّم والدعم والتمكين، ومكانًا يشعر فيه الجميع بالانتماء وهم ايضاً شركاء.

رؤية المطران إبراهيم “»أصحاب الرؤى يصنعون الوجود» لسنوات طوال كان للمطران إبراهيم إبراهيم حلمًا بإنشاء مركز مجتمعي شامل يعزز المعرفة والتعلّم ويحفظ التراث. وتمثلت رؤيته في تأسيس موقع متميز يحفظ المخطوطات الثمينة والوثائق الكنسية والمصادر التراثية في قلب أحد مراكز الجالية الكلدانية في ولاية ميشيغان.

وتحققت هذه الرؤية بإنشاء مكتبة الأسقف إبراهيم إبراهيم في مركز الجالية الكلدانية الجديد في ويست بلومفيلد المكتبة وبمساحة 3000 قدم مربع، تضم مساحات للدراسة، وغرفة لحفظ المخطوطات والأرشيف الكلداني، وأماكن للقراءة، ومنطقة صغيرة للأطفال، وأقسامًا للمواد المختلفة. والمكتبة الحديثة ليست مكتبة تقليدية، بل أرشيف ومصدرحي للإيمان والهوية واللغة والتراث، وتضم ثلاثة أقسام رئيسية: الآرامية/الكلدانية، والعربية، والإنجليزية افتُتحت المكتبة للجمهور في فبراير 2026، ولاقت منذ أسابيعها الأولى ترحيبًا واسعًا. ويشغل الأب ماركوس شمامي والشماس خيري فوميا منصبَي القيّمين والمديرين التنفيذيين للمكتبة.

قسم الأرشيف والمخطوطات تضم غرفة المخطوطات مجموعة من الكتب والمخطوطات التي يزيد عمر بعضها على 400 عام، وتتطلب جميعها عمليات حفظ وصيانة ورقمنة وبمساعدة خبرات جهات عالمية مرموقة ومختصة مثل جامعة بنسلفانيا والمتحف البريطاني ومتحف البيرغامون في برلين وجامعة السوربون في فرنسا والفاتيكان واليونسكو.

وتجري حاليًا جهود حثيثة في أربيل بقيادة المطران ميخائيل نجيب ميخائيل، رئيس أساقفة الموصل، المعروف بـ»بطل رقمنة المحفوظات الكلدانية»، وهو مشروع يحظى بدعم مؤسسات أكاديمية ومتحفية عالمية. وللتأريخ والعلم فمنذ عام 1750، حافظت مكتبة دير الدومينيكان في الموصل على مخطوطات لا تقدّر بثمن، قام الأسقف نجيب بنقلها وحمايتها من خطر الدمار على يد المتطرفين. ومنذ ذلك الحين، تستمر الجهود لحفظ أكثر من 8000 مخطوطة رقمياً، تعود إلى القرن العاشر حتى التاسع عشر، ويمكن لنا الاستفادة من هذه التجربة في رقمنة مخطوطات مكتبة المطران ل إبراهيم في الولايات المتحدة.

القسم العربي القسم العربي يُعد الأكبر مساحة في المكتبة، ويضم أكثر من خمسين فئة موضوعية تشمل مصادر وكتب عن الكنيسة الكلدانية، والكلدان والآشوريين والسريان، وبلدات سهل نينوى، والشعر والأدب، واللغة العربية، والثقافة، والأديان الرافدينية، والسياسة، والفلسفة، وعلم الاجتماع ، وتاريخ العراق، إضافة إلى كتب عن بغداد ومؤلفات مؤلفين بارزين من أبناء الجالية في المهجر.

وقد ساهم العديد من أفراد الجالية في إثراء هذا القسم بكتب قيّمة جاءت كهبات وتبرعات، من بينهم: الأخ عادل بقال، وعائلة المرحوم فؤاد ميشو، جورج منصور مخاي، زهير كرمو، فؤاد منا، وآخرون.

شركاء المكتبات يكون المجتمع قويًا عندما يعمل أفراده معًا، وضعيفًا عندما يعملون منفردين. لذلك تُعد الشراكات عنصرًا أساسيًا في نجاح المكتبات ، فالمكتبات شريك مجتمعي مهم يعمل مع المنظمات المحلية لتبادل الموارد وتعزيز الخدمات، كما تجمع أبناء المجتمع عبر اللقاءات والفعاليات، وتقدّم برامج واسعة تشمل نوادي قراءة الكتب، الصفوف الدراسية، ورش العمل، تسجيل الناخبين، الاجتماعات وحلقات النقاش، واستضافة المؤلفين، مما يعزز الانتماء والمشاركة وإبقاء العائلات على اطلاع دائم بشؤون الجالية.

دعوة ونداء وإذ نعمل على إبراز دور مكتبة الأسقف إبراهيم إبراهيم، يجب التذكير بأنها جزء أساسي من البنية الاجتماعية الكلدانية التي تشمل الكنائس والمدارس والنوادي والمنظمات المدنية، فالمكتبات تقف في طليعة التعلّم، وتقدّم عبر برامجها وفعالياتها فضاءً للمعرفة واستكشاف الأفكار وتنمية الهوايات وتعزيز التواصل. وندعو أفراد الجالية إلى دعم المكتبة عبر التبرع بالكتب، ، والاحتفاء بمكانتها في قلب مؤسسة الجالية الكلدانية في ويست بلومفيلد ونشجع الجميع على زيارتها، والمشاركة في برامجها ودعم رسالتها ونشر أدوارها وأخبارها الإيجابية في ديترويت وميشيغان.

ساعات العمل تفتح المكتبة أبوابها أيام الثلاثاء والأربعاء والجمعة من الساعة 9:00 صباحًا حتى 3:00 مساءً.

وتستقبل الزوار في جولات تعريفية تشمل قاعات المطالعة والأقسام المختلفة، ونظرًا لمحدودية الأعداد، يُرجى الاطلاع على سياسات الزيارة وتنسيق المواعيد مع إدارة المكتبة. للاستفسار عن التبرعات والبرامج وساعات العمل، يمكن التواصل مع مؤسسة الجالية الكلدانية في ويست بلومفيلد عبر الموقع الإلكتروني والرقم : www.chaldeanfoundation.org 248-851-1200