الراعٍي الجديد لأبرشية ديترويت
Archbishop Weisenberger
رئيس الأساقفة وايزنبرغر يتحدث عن الإيمان والمستقبل
بقلم مايك صرافا لصحيفة - كالديان نيوز
مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لتوليه منصب رئيس أساقفة ديترويت، يتكلم رئيس الأساقفة إدوارد وايزنبرغر في هذه المقابلة عن عامٍ اتسم بمبادرات التعاون وبوادر الأمل الملموسة. فلقد قَدِم نيافته من مدينة (توسان- ولاية اريزونا) ليقود إحدى أعرق وأكثر الأبرشيات تعقيدًا في البلاد، وليجد نفسه في مدينةٍ شعارها نفسه يَعد بالقيامة. وفي عامه الأول، لم يلمس فقط صمود ديترويت، بل لاحظ أيضًا أمرًا فاجاءه كثيراً: كنائس نابضة بالحياة تعج بالعائلات الشابة والأطفال، ما يُعدّ دليلًا قويًا على حيوية الكنيسة.ومن بين المجتمعات التي تركت أثرًا بالغًا في نفسه، هي الجالية الكلدانية الكاثوليكية في ديترويت، التي تُعدّ من أكبر الجاليات في العالم.
في هذه المقابلة الصريحة، يتحدث رئيس الأساقفة وايزنبرغر عن الوحدة بين الكنيستين الرومانية والكلدانية، والشهادة العلنية بشأن القضايا الأخلاقية، ومعاناة المسيحيين في الأرض المقدسة، وإعادة الهيكلة الجريئة التي يعتقد أنها ضرورية لضمان وجود كنيسة جاهزة الرسالة ومستعدة للأجيال القادمة.
س: سيادة المطران، في شهر مارس 2026، ستحتفلون بمرور عام على توليكم منصب رئيس أساقفة ديترويت. ما هو أكثر شيء أثار دهشتكم في ديترويت أو الأبرشية؟
المطران وايزنبرغر: يا له من عام! كنت أعلم منذ قدومي إلى هنا أنني سأنضم إلى مجتمع ثابت صامد. فشعار مدينة ديترويت هو “نحن نأمل في مستقبل أفضل؛ وستنهض المدينة من بين الرماد”. المدينة نفسها تشهد نهضة حقيقية، وأشعر بامتنان كبير لكوني جزءاً منها، حتى في خضم هذه النهضة.
أما بالنسبة للأبرشية، فقد فوجئت بما رأيت وألهمتني رؤية العدد الكبير من الأطفال والصغار والشباب في الكنيسة عند زيارتي للرعايا. وأحب أن أقول: “لا أحد يعلم ما يجهله”، وما يجهله الكثيرون هنا في ديترويت هو أنني أرى أن عدد الشباب في القداس يفوق بكثير عددهم في أبرشيات أخرى؛ وهذه نعمة عظيمة. المدارس أيضاً رائعة. في كل أبرشية ألتقي بأشخاص ملتزمين بتكريم تراث مجتمعهم المتمثل في إيمان غني وقوي، وبطرق واعدة تبني عليه من أجل الأجيال القادمة.
س: عندما أتيتَ إلى ديترويت من (توسان، أريزونا)، هل كنتَ قد سمعتَ عن الجالية الكلدانية؟ فهناك لدينا جالية وكنيسة كلدانية في منطقة (فينيكس-اريزونا).
ج: مع أنني لم أكن على اتصالٍ يُذكر بأبرشية فينيكس، إلا أنني كنتُ أعرف بوجود الكنيسة الكلدانية، إلى جانب جماعات أخرى من إخواننا وأخواتنا في الطقوس الشرقية. وكنتُ على درايةٍ بمجتمع الكلدان في فينيكس، وهم معروفين بحيوية رعيتهم ونشاطهم المجتمعي. في الواقع، لطالما أذهلني التنوع الثري لعقيدتنا الكاثوليكية المشتركة. كما كنتُ أعلم أن جنوب شرق ولاية ميشيغان هو موطنٌ لواحدةٍ من أكبر الجاليات الكلدانية الكاثوليكية في العالم، ولكن منذ تعييني أتيحت لي الفرصة للتعرف اكثر على هذه الجالية وتقديرها بشكلٍ أفضل. و تُعرف الكنيسة الكلدانية بإيمانها وحبها العميق للكنيسة الأم، كما ويحظى الأسقف قلابات باحترامٍ كبيرٍ بين رجال الدين.
س: تتميز أبرشية ديترويت بكونها موطنًا لأكبر أبرشية للطقوس الكلدانية في العالم. ما هي إنطباعاتكم وكيف وجدتَ تفاعلكم مع الكنيسة الكلدانية وشعبها؟
ج: لقد تميزت إنطباعاتي وتشهد تفاعلاتي مع الأبرشية الكلدانية بحفاوة استقبال استثنائية، ولطف، وكرم، ومحبة وشهادة قوية للإنجيل. وأنا لا أقصد التملق لأحد (صادقًا!)، لكن تفاعلاتي مع الشعب الكلداني كانت نعمة عظيمة. ففي كل مرة نلتقي، أجد خشوعًا في الطقوس، والتزامًا مُلهمًا تجاه المجتمع والأسرة، وشعورًا قويًا بالهوية متجذرًا في الإيمان. إن وجود الكنيسة الكلدانية وثقافتها في ديترويت يُثري المجتمع ككل. ومع ذلك، أعتقد أن الوحدة الأساسية للإيمان بين الكنيستين الكلدانية والرومانية تُعزز وتدعم كل منهما الأخرى بطرق رائعة.
س: كيف تتوقعون أن تعمل الكنيستان الشقيقتان معًا؟
ج: نحن جداً محظوظين في ديترويت لأننا نختبر عالمية الكنيسة بهذا الشكل الجليّ. ورغم أننا نعبد وفقًا لتقاليد طقسية مختلفة، إلا أننا نتشارك الإيمان نفسه، والأسرار المقدسة نفسها، والرسالة نفسها. وأتطلع إلى استمرار التعاون في العمل الخيري، ودعم أسر المهاجرين واللاجئين، وتشجيع الدعوات الكهنوتية، وشهادتنا المشتركة للسلام والكرامة الإنسانية.
على سبيل المثال، عندما اتصلتُ بالأسقف قلابات وأخبرته بقدوم بطريرك القدس ذا الطقس اللاتيني، لم أتمكن من إكمال جملتي حتى قاطعني قائلًا: “هذا رائع، هذا عظيم، كيف يمكننا المساعدة؟” وعندما أتذكر المساعدات المالية الطارئة التي جمعتها كنائسنا معًا لغزة ومعاناة فلسطين، وحسن النية الذي بُني بزيارة البطريرك، أتذكر أنه لا شيء مستحيل عندما يجتمع المؤمنين معاً.
س: لقد كنتَ صريحًا في آرائك حول سلسلة من قضايا السياسة العامة الخطيرة في الولايات المتحدة، بما في ذلك الهجرة وحملة إدارة الهجرة والجمارك، والوضع في غزة والأراضي المقدسة، ومؤخرًا انتقدتَ الرئيس ترامب علنًا لإعادة نشره علنًا لصورة نمطية عنصرية عن عائلة أوباما. ما هي رسالتك إلى المؤمنين في ديترويت حول واجبنا كمسيحيين في هذه القضايا؟
ج: كمسيحيين، من أهم واجباتنا الدفاع عن كرامة كل إنسان. وتنبع هذه المسؤولية من حقيقة أن كل إنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، ومن وصية المسيح بمحبة قريبنا كمحبتنا لنفسنا، ومن تعليمه أن كل ما نفعله لأصغر إخوتنا وأخواتنا، إنما نفعله له. ولذلك كلما تعرضت أي من هذه المبادئ للتهديد - سواء بأفعال عنصرية أو كراهية، أو إهمال الضعفاء، أو غيرها من المآسي المماثلة - فمن واجبنا كمسيحيين أن نبني ضمائرنا وفقًا للإنجيل، ثم نعلن هذه الحقائق للعالم. أخشى أحياناً أن يكون صمت أولئك الذين يملكون صوتاً لكنهم لا يستخدمونه جريمة لا تقل خطورة عن جرائم القسوة.
س: بخصوص معاناة شعب الأرض المقدسة، ما الذي دفعكم لدعوة الكاردينال (بيتسابالا)، بطريرك القدس اللاتيني، إلى ديترويت؟ ماذا علمتنا زيارته عن الحاجة في تلك المنطقة من العالم؟ ما الانطباعات التي استخلصتموها من استجابة المؤمنين في ديترويت لدعوتكم لمساعدة شعب الأرض المقدسة المتألم؟
ج: تحتل الأرض المقدسة مكانة خاصة في قلب كل مسيحي باعتبارها مهد إيماننا. ولطالما رغبتُ في دعوة صاحب الغبطة الكاردينال (بيتسابالا) لزيارة رعوية، لكن الوضع الخطير في بطريركيته كان له الأولوية الواضحة. وذكّرنا وجوده في أبرشية ديترويت بأن الكنيسة جسد واحد حقًا، وأنه عندما يتألم جزء من الجسد، يتألم الجسد كله. لقد تأثرتُ بشدة بكرم المؤمنين هنا في ديترويت، بمن فيهم عدد كبير من أبناء الطائفة الكلدانية. لقد كانت لحظة تضامن مؤثرة تحت رسالة واحدة، وإيمان واحد، ورب واحد.
مع أن هذا ليس جوابًا مباشرًا لسؤالك، أودّ أن أشير أيضًا إلى أن زيارة البطريرك لم تكن مخصصة لأهالي غزة فحسب، بل كانت ذات أثر بالغ علينا، سيما واننا في عالمنا الغربي، نميل إلى التفكير بمنطق “الحلول” أو “الإصلاحات” فقط، وكان من الواضح أن الكاردينال (بيتسابالا) يرحب بجهودنا لتغيير حياة المتألمين، حتى وإن لم يصرح لي بذلك مباشرةً، فأظن أنه سيُقدّر مساعينا لإحداث تغيير حقيقي ودائم، وتغيير يُخفف المعاناة الظاهرة في جميع أنحاء الأرض المقدسة. ومع كل تلك المشاعر، كان هناك حقيقة عظيمة كشفها لي هي: “أننا ربما لا نستطيع إصلاح الوضع في الأرض المقدسة، لكن بإمكاننا أن نكون بمثابة المسيح الشافي لإخواننا وأخواتنا هناك”.
وهذا ليس استسلامًا، وأظن أنه يُقدّر جهودنا على الصعيدين السياسي والإنساني. مع ذلك، فقد كشف الكاردينال أن مهمة من يكافحون من أجل العيش اليوم هي تحديد كيفية عيش حياة مسيحية حقيقية، التزام، ومحبة، وسط المعاناة، ولا يمكننا الانتظار حتى تتحسن الأمور قبل أن نعتنق إنجيل يسوع المسيح. بل يجب أن نجد السبيل والإصرار لنكون من أهل الإنجيل مهما كانت الظروف التي نجد أنفسنا فيها.
وعندما أتأمل حياتي، لا بد لي من الاعتراف وبتواضع أنني وجدت نفسي مرات عديدة أتذمر من الرب، محبطًا من المشاكل التي أواجهها. وكانت شهادة الكاردينال هي التي ساعدتني على إدراك أنه مهما كانت الظروف أو الأوضاع التي أجد نفسي فيها اليوم - سواء أكانت سعيدة أم حزينة، تتسم بالعدل أم بالظلم، مجروحة من الحرب أم مُقوّاة بالسلام - ففي هذه الظروف تحديدًا يجب أن أحمل الإنجيل معي وأدعه ينبض بالحياة في داخلي. لقد كانت تلك هبة عظيمة لي، وأعتقد أنها كانت كذلك لكل من التقى به.
س: أنتم بصدد عملية تتطلب إعادة هيكلة شاملة للأبرشية فيما يتعلق بالمباني والرعايا والكهنة. ما هو أملكم في أفضل نتائج هذه المساعي؟
ج: أملنا هو في تحقيق أفضل النتائج - والنتيجة المرجوة - هي أن تكون لدينا رعية نابضة بالحياة، وكهنة مزدهرون، وكنيسة جاهزة للرسالة. ماذا يعني هذا؟ نحن نعمل معًا بتعاون وثيق مع كهنتنا وأبناء رعيتنا، لتنسيق جهود رجال الدين والخدمات والموارد على النحو الأمثل، حتى تصبح الرعية مراكز حية للإيمان والتواصل؛ وحتى يتمكن رجال الدين من الخدمة بقوة وفرح، وحتى تكون كنيستنا المحلية في وضع يسمح لها بنشر الإنجيل خارج جدرانها، مباشرةً إلى أولئك الذين هم في أمس الحاجة لسماعه.
لا بد لي من الاعتراف بأننا نحن الكاثوليك - ولأسباب وجيهة للغاية - نحب مباني كنائسنا. إنها أكثر من مجرد حجارة وطين وخشب وزجاج ملون. بل إن حياتنا الإيمانية متجذرة بطريقة ما في هذه الأماكن المقدسة. كنيسة الرعية الصغيرة التي سكنها أجدادي في (كانساس) تحظى بعناية فائقة، رغم ان المجتمع الزراعي المحيط بها يكاد يكون قد اندثر تماماً. هذا المكان مقدس بالنسبة لي، ومجرد التفكير في إغلاقه سيؤلمني بشدة، مع ذلك، أعلم أيضاً، بصفتي تابعاً ليسوع المسيح، أنه عندما يحين وقتي لأُقدم لله ما أنجزته في حياتي، لا أتوقع أن يسألني الله عن مدى اهتمامي بالمباني، لكني أظن أنه سيسألني عن جهودي في بناء ملكوت الله - في نشر الإنجيل لكي يرغب الآخرون في الانضمام إلى كنيستنا - وفي توجيه مواردنا الثمينة نحو التبشير وتكوين أتباع جدد للكنيسة المقدسة.
لا أرغب أبدًا أن تجرح كلماتي مشاعر أحد، ومع ذلك، هناك بعض الحكم والبيانات التي كان لها أثر بالغ عليّ. أولها الأبحاث المتخصصة التي تُعلّمنا أنه إذا دخل شاب إلى كنيسة ووجد مجموعة صغيرة من المصلين المسنين، فلن يعود إليها أبدًا، في المقابل، إذا دخل شاب إلى كنيسة ممتلئة نسبيًا، بجمهور متفاعل وخدمات دينية واضحة، فمن المرجح أن يرغب في العودة!
فكيف لنا أن نختبر المزيد من هذا النوع من التواصل المجتمعي؟ أعتقد أن البداية تكمن في إدراك أن العدد الكبير من القداديس التي تُقام في كنائس ذات جماعات صغيرة قد يكون مُريحًا لتلك الجماعات الصغيرة - وهذا ليس بالأمر الهين، لكن الثمن الذي ندفعه هو إرهاق الكهنة، وشعور مُحبط بالصراع من أجل البقاء، وإحباط جمع التبرعات للمباني التي غالبًا ما تكون مُثقلة بالديون وتحتاج دائمًا إلى مبالغ طائلة لصيانتها أو ترميمها. لقد بُنيت العديد من مباني كنائسنا لمجتمعات أكبر بكثير ولأعداد كبيرة من الناسللأسف قد رحلوا. إنّ جمع الناس في مجتمع واحد موحد، يضمّ جماعات أكبر وأكثر حيوية، يزيد من القدرة على التبشير. فالمجتمع قادر على فعل الكثير عندما يمتلك العدد الكافي من الأفراد، والعائلات الملتزمة، والموارد المالية اللازمة.
وأخيرًا، سمعتُ شيئًا ما زال عالقًا في ذهني وقلبي، وقد وجدته مؤثرًا ومحفزًا في آنٍ واحد. إذ قال لي أحد طلاب اللاهوت: “شكرًا جزيلًا لك يا سيادة المطران، شكرًا جزيلًا على إعادة الهيكلة. كنتُ أتحدث مع بعض إخوتي في اللاهوت، ولم نكن نتطلع إلى أن تكون خمسون عامًا من خدمتنا الكهنوتية عبارة عن إدارة للتراجع”. ويا للعجب! لا أعتقد أننا توقفنا لوهلة لنفكر في تأثير الوضع الراهن على استقطاب طلاب اللاهوت، فبينما هؤلاء الشباب ملتزمون حقًا، علينا أن نمنحهم الأمل في قضاء حياتهم في تنشئة التلاميذ، لا في الكفاح المستمر لتوفير أقساط التأمين.
س: هل لديك رسالة تود مشاركتها مع قراء صحيفة “اخبار الكلدان - كالديان نيوز”؟
ج: أود أن أعرب عن امتناني لشهادتكم للإنجيل. وكما ذكرت سابقًا، فإن تمسككم بتقاليدكم وتفانيكم في خدمة المجتمع هما هبة لكنيستنا بأكملها. أتطلع إلى أن نواصل جميعًا الصلاة من أجل بعضنا البعض، والتعلم من بعضنا البعض، وخدمة الرب المسيح جنبًا إلى جنب، أمين.