الهوية الكلدانية المهجرية
بقلم: الدكتور عضيد ميري
تشهد الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى تغيرًا ديموغرافيًا كبيرًا، حيث تتحول جماعات المهاجرين التي كانت تُعتبر أقليات إلى أغلبيات، ومن بين هذه الجماعات، نجد مجتمعات سريعة النمو من آسيا وشمال أفريقيا وامريكا الجنوبية. ويُعدّ الأمريكان من أصول عراقية كلدانية جزءًا من هذا التحول ، إذ أدى النمو السكاني والتركيز الجغرافي في العديد من مدن ولاية ميشيغان إلى خلق ديناميكيات اجتماعية جديدة وتحديات كبيرة في سرعة اندماج الجالية الكلدانية. فعلى مدى العقود القليلة الماضية، استمر الكلدان في محاولات صياغة هوية مميزة وواضحة، فأسسوا أعمالًا تجارية ناجحة، وأبرشيات وكنائس متماسكة، وأحياء وبيوت حديثة بدأت تميزهم في المجتمعات التي باتوا يعتبرونها مسكناً وموطنًا لهم. ومع ذلك، لا تزال الهوية الكلدانية في امريكا مفهومًا عصيًا على التحديد والتعريف، فالهوية الثقافية أي كانت تبقى معقدة ومتشعبة ومتطورة باستمرار. وتبقى الأسئلة العالقة: ما هي العناصر الأكثر أهمية في بناء الهوية؟ وأيهما يعزز التفاعل مع المجتمع الآمريكي الأوسع انتشاراً، وأيهما يَحدُ منهُ ويُعقد مراحل تطوره؟ ولا غرابة أن يروي تطور الهوية الكلدانية قصة أمريكية أوسع نطاقًا، يشمل قصة الهجرة والتكيف والبحث الدؤوب عن موطئ قدم اجتماعي وثقافي واقتصادي وسياسي ، ومن معالم ذلك نجد زيادة النفوذ السكاني والإقتصادي والسياسي في مدن مثل ويست بلومفيلد، وستيرلينغ هايتس، وساوثفيلد، ووارين، وفارمنجتون هيلز، ومقاطعات مثل اوكلاند وماكومب حيث تمنح الكثافة السكانية المجتمع الكلداني حضورًا بارزًا وتأثراً واضحاً، ولكن مع كل ذلك، لا تزال المشاركة المدنية والخدمية والفعلية في الإنتخابات المحلية والأمريكية غير متكافئة او مكتملة. مع اتساع دوائرنا الاجتماعية، يُصبح الشعور الواضح بالهوية أمرًا جوهريًا فالهويات ليست ثابتة، بل هي في تطور مستمر، ومن خلالها نكتشف كيف نُعرّف أنفسنا لغيرنا، ومن نحن، وكيف نتعلّم من تجارب المهاجرين الذي سبقونا ونندمج معهم وبينهم ، ومن المهم جداًّ في هذا الصدد أن نؤكد على ان (الإندماج) هو ما نطمح اليه وليس (ألإنصهار أو الذوبان) في محيط المجتمع الأمريكي الكبير. كما ويجب أن تكون مهمتنا الأولى في الولايات المتحدة أن نحدد ما نؤمن به، وكيف سنحقق ذلك، ومن نخدم، ولماذا ذلك هو مهم؟ وينبغي أن تقود كوادرنا المهنية والأكاديمية المتعلمة وذات الخبرة عملية صياغة الرؤية المستقبلية الواضحة للهوية الكلدانية وإلهام الجيل القادم في بناء أسس اركانهِ وصون ركائزه والتأثير في محيطه. علامات الهوية المستقبلية؟ تُعدّ السمعة وهوية العلامة المجتمعية من أهمّ المؤشرات التي تميّز الجاليات، وبناء العلامة المتميزة هو سرد لقصة فريدة ، وغالبا ما تكون قصة يتعرّف عليها الآخرون ويرغبون في فهمها، وقد تكون علامات الهوية منتجًا، أو مفهومًا، أو صورة، أو علامة مجتمعية مُجسّدة ومُعلنة وواضحة المعالم ، إذ انها، في جوهرها، بصمة الجاليات في انحاء العالم. وهكذا هو حال الكلدان في معظم ولايات امريكا، إذ نادراً ما يُعرف عنهم شيئاً خارج حدود ولاية ميشيغان او مدينة سان ديكًو في كالفورنيا او فينيكس اريزونا. العلامة المجتمعية القوية للجالية الكلدانية تُمكّن الآخرين من التعرّف على أعضائها ، من هم، ومن اين أتوا، وفهم ما يُمثّلونه. وهذه جميعها مبنية على السمعة والمصداقية والانتشار والقيم المشتركة، والحديث عن «علامة وهوية مجتمعية» ليس مجرد مصطلح تسويقي، بل هو دعوة إلى التركيز والتماسك ونيل الهدف الذي تسعى اليه الجالية الكلدانية المهجرية ومع اتساع نطاق مساحات التواصل الاجتماعي وانتشار المعرفة ، يصبح امتلاك الهوية المتميزة أمرًا بالغ الأهمية لتطوير الذات ورصيد الجاليةسيما وأنه تطوّر مستمر لا يتوقف.
مسؤوليات الأجيال مسؤلية ورسالة الأجيال الكلدانية الصاعدة في الولايات المتحدة تتمثل في رسم مسار واضح صوب تحقيق رؤية الجالية من خلال تحديد ما ستفعله، وكيف ستفعله، ولمن ستفعله، ولماذا تفعله؟ ويجب على كوادرنا المهنية المتعلمة أن تتصدّر مناصب قيادية من أجل الإلهام وتوضيح مسيرة الأيام وبيان التوجه الكامن وراء الخطط الستراتيجية التي نضعها والمستقبل الذي نسعى إليه، فلتحديد هويتنا المستقبلية علينا طرح أسئلة جوهرية ما هي الركائز التي تقوم عليها اعمدة مجتمعنا؟: هل نحن تقليديون أم تقدميون ؟ هل اننا رواد أعمال أم موظفون حكوميون؟ هل اننا تابعون أم مؤثرون ؟ إن سمات الهوية القوية تبدأ بهندسة القناعات والإرادات تُعبّر عن رؤية المجتمع بطرق موحدة غالباً ما تتوسع لتشمل الآخرين، ويتميز بناء هذه الهوية بالتخطيط المدروس والتوجه نحو تحقيق الرسالة المرسومة وفهم العناصر المميزة لمجتمعنا وهي الخطوات الأولى لتحديد هويتنا وصقلها وديمومتها. ولا غرابة أن هناك نماذج مجربة لتقدم مجتمعات أخرى في هذه البلاد يحتذى بها، فمثلاً بنى المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة سمعة مرموقة وعلى نطاق واسع في مجالات المصارف والتمويل والقانون والطب والعمل الخيري والخدمات المدنية والأوساط الأكاديمية، كما وطورت المجتمعات الآسيوية (كالهنود الأسيوين والصينيين والكوريين) وكذلك الأيرلنديين والإيطاليين والبولنديين وغيرهم، قيماً واضحة ترتكز على دعامات الثقافة والتعليم وابداعات الإنجاز المهني ومساحات المشاركات المدنية، ويعكس نجاحهم وضوح رسالتهم الرصينة وهويتهم الموثوقة واستثمارهم المستمر في تحديث وتطوير رأس المال البشري من خلال التعليم.
التعليم كاستراتيجية تبدأ أية استراتيجية فعّالة بتوضيح من نحن، وكيف نتميّز؟ فبالنسبة لأي مجتمع، لا تُعدّ الهوية المجتمعية ضربًا من ضروب التباهي، بل هي تعبير عن المصداقية والكفاءة والإسهام، وإذا كان هناك ركن أساسي يُحدّد النجاح الدائم فهو درب الإختصاصات المهنية العالية ومسار التعليم الأكاديمي. فالتعليم يُنمّي القدرة على التفكير المنطقي، وحلّ المشكلات، والتواصل الفعّال، وفهم كيفية عمل الأنظمة، ويعتبرالمحرّك الدافع نحو محطات التقدّم الشخصي والنجاح الجماعي في جميع المجتمعات المهاجرة ويكمن القاسم المشترك في الاستثمار المستمر في التعليم الى المزيد من التعليم، والتعمّق فيه، والإستفادة من إيجابياته وتطبيقه العملي. ولطالما اعتُبر المسيحيون العراقيون في وطنهم الأم (ألعراق) مسالمين ومتسامحين ومنتجين ومحترمين للحياة. وشكّلت هذه القيم السلوك الاجتماعي والشخصي للكلداني العراقي ولا تزال هذه الصفات راسخة في الذاكرة الوطنية وتأسيساً على ذلك يعكس تاريخ المجتمع الكلداني في المهجر حكايات الصمود والإيمان والعمل الجاد ووحدة الأسرة. لكن هذه القيم لاتكفي وحدها ويجب تنميتها من خلال تنمية ذكية معاصرة حيث تلعب الأسر دورًا حاسمًا في تشكيل مفهوم الذات، وتوجيه الشباب صوب هندسة «من أنا؟» و»ماذا أريد أن أكون»؟. في كتابها الموسوم «الكلدان ألأمريكان تناولت عالمة الاجتماع ماري سينغستوك من جامعة واين ستيت «مفاهيم متغيرة للهوية العرقية»، وسطرت تطور الجالية العراقية الكاثوليكية الناطقة بالآرامية في الولايات المتحدة، وسلطت الأضواء على التوترات الداخلية والتطلعات المشتركة التي واجهتها الجالية الكلدانية العراقية في سعيها نحو الهوية والاندماج، ويؤكد عملها «أن الهوية تُصاغ بالتفاوض، لا بالوراثة». وفي اوساط العصر الرقمي الجديد، يساهم التعليم النظامي والتدريب المهني والتوجيه المعرفي وحلقات النقاش والتعلم الذاتي في تنظيم المسيرة التعليمية، ويحمل التحصيل الأكاديمي والتميز المهني وزناً كبيراً في كيفية إدراك المجتمعات والعمل المشترك. فالتعليم ينقل المعرفة والقيم التراثية المتراكمة من جيل إلى آخر، ويُهيئ الأفراد لتجاوز تحديات التعامل مع المجتمعات والمنصات المتزايدة التعقيد. وجميعها تعزز المصداقية والسمعة والإقتدار، وتعد الركائز الأساسية لأي هوية كلدانية قوية.
التعليم كعلامة فارقة للجالية الكلدانية يُظهر التاريخ أن التعليم كان العامل الحاسم في تشكيل سمعة العديد من الجماعات المهاجرة، إذ حدّد مسارها ورسّخ مكانتها وسمعتها ورصيدها واهميتها وتأثيرها. وفي ذلك السياق يشهد الكلدان العراقيون في الولايات المتحدة نمواً ملحوظاً في اركان التعليم العالي والمجالات المهنية. واصبحت جاليتنا تزخر وتضم أكاديميين ومعلمين ومحامين وأطباء وصيادلة ومحاسبين وقضاة وموظفين حكوميين. وبالنسبة لجالية صغيرة نسبياً، يُعدّ التعليم أمراً بالغ الأهمية للعوائل الكلدانية من أجل الحفاظ على هوية فريدة لإبناءهم وبناتهم ولأجل نجاح هذا المسعى الثمين توفر العوائل الغالي والنفيس وتُولي الأولوية لدعم المسارات الأكاديمية، وبدأت الأجيال اصاعدة تفهم ألا يكون هذا المسار وليد الصدفة، بل أن يكون استراتيجياً ويؤشر ما يُقدّمه الكلدان وما يطمحون إلى تمثيله والوصول اليه.
ثالوث التعليم، التعليم، التعليم إنّ بناء هوية موحدة راسخة ومبنية على أعمدة التعليم يُرسّخ الفخر والغاية والسمعة الطيبة، وهذه الهوية لا تنتمي إلى مؤسسة معينة أو قائد بعينه، بل هي ملك لكل من يُساهم في بنائها، فالجميع هم أوصياء وأمناء على حماية هذه السمعة، إذ يفتح التعليم آفاقًا واسعة للرخاء والعُلا والخدمة العامة. فبفضل المعرفة والعلاقات وأشخاص ملتزمين بتكريم تراث مجتمعهم المتمثل في إيمان غني وقوي،والتزام تام تجاه المجتمع والأسرة، وشعور متجذر في الإيمان بالمستقبل، يستطيع الأفراد التأثير في السياسات، وتطوير المؤسسات، بثقافة عالية وبطرق علمية واعدة تبني عليه مستقبل الأجيال القادمة وتُثري المجتمع ككل وتخدم وطنهم الجديد وبلدهم الأصلي. فالمواطن المتعلم يُعزز المجتمع ككل، وكما لعب المسيحيون العراقيون دورًا محوريًا في بناء العراق الحديث في القرن العشرين، فهم جلبوا معهم تلك العزيمة والانضباط والسمعة ومنظومة القيم إلى الولايات المتحدة. إن أبناؤنا وبناتنا هم سفراؤنا ودبلوماسينا الأكفاء وحماة مستقبل هويتنا وسط منافسات العالم الجديد ، ونجاحهم لا يعكس إنجازاتهم الشخصية فحسب، بل يعكس أيضًا استثمارًا استراتيجيا وذكياً يدعم جميع المجتمع الكلداني في امريكا، إذ في نهاية المطاف، تُشكّل هوية المجتمع الصورة التي يراها الآخرون عن مكانتنا ومديات مساهمتنا، وغالباً ما تُسلط الانظار على هذه الصورة المهمة من خلال عدسات التعليم، وإذا كنا ككلدان فخورين بثالوث ثوابتنا الدينية، فلنجعل من ثوابتنا المجتمعية ثالوثية واضحة اركانها: «التعليم، التعليم، التعليم».