بيت التراث التلكيفي.. مقتنيات تنادي أصحابها
في مدينة تلكيف القديمة، افتُتح عام 2025 بيت التراث التلكيفي، ليكون أول متحف تراثي من نوعه في المدينة، ومبادرة لحفظ تاريخها وموروثها الثقافي والاجتماعي، ولا سيما بعد الظروف الصعبة التي مر بها أبناؤها والتهجير الذي شهدته المدينة عام 2014. يقف وراء المشروع عمران عدنان اسوفي جربوع، وهو شاب تلكيفي ناشط ومثابر، ينتمي إلى عائلة معروفة في المدينة، وما زال مقيماً في مدينته، الأمر الذي عزز ارتباطه بذاكرتها ودفعه إلى العمل على حفظ تراثها، في وقت غادر فيه عدد كبير من أبنائها إلى مدن وبلدان مختلفة.
بداية الفكرة بدأت فكرة إنشاء بيت التراث التلكيفي قبل نحو سبع سنوات، لكنها تأخرت بسبب عدم توفر مكان مناسب. وبعد العثور على بيت تراثي ملائم، بدأ تنفيذ المشروع وصولاً إلى افتتاحه أمام الزوار عام 2025. وانطلقت الفكرة من الحاجة إلى حماية هوية تلكيف وذاكرتها، ولا سيما بعد ما مرت به المدينة وأهلها من أحداث وتهجير. ويختصر جربوع دوافعه بسؤال: «إذا لم نحافظ على تراثنا ونحميه الآن، فمتى سنحميه؟» وبعد البحث عن موقع مناسب، عرض عمران الفكرة على سيادة المطران مار ميخائيل نجيب ميخائيل، راعي أبرشية الموصل وعقرة الكلدانية، الذي رحّب بالمبادرة وشجعه على تنفيذها. وبناءً على طلبه، خُصص أحد البيوت التراثية العائدة ملكيتها إلى كنيسة قلب يسوع الأقدس الكلدانية في تلكيف للمشروع. وقبل تأسيس البيت، أسهم عمران من خلال صفحة «تراث تلكيف – Telkeppe Heritage» في نشر وتوثيق جوانب من تاريخ المدينة وموروثها، قبل أن تتطور هذه الجهود إلى مشروع متحفي. حفظ الذاكرة لا يهدف بيت التراث إلى تعويض غياب أبناء المدينة بالمقتنيات، بل إلى حفظ ذاكرة المكان ومنع تحول الغياب إلى محو للتاريخ. فالتراث، بحسب رؤية مؤسس البيت، لا يقتصر على الأدوات والبيوت القديمة، بل يشمل اللغة والعادات والمهن وتفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أبناء تلكيف عبر أجيال. كما تمثل الصور والوثائق والمقتنيات شاهداً مادياً على تاريخ المدينة وأهلها، خصوصاً في ظل الهجرة والتغيرات التي شهدتها المنطقة. ويؤدي البيت دوراً في ربط الأجيال الجديدة بمدينتهم، ولا سيما أبناء تلكيف الذين ولدوا في المهجر، من خلال تعريفهم بحياة أجدادهم وعاداتهم وأعمالهم. ويؤكد جربوع أن الإنسان قد يُهجّر من بيته، لكن لا ينبغي أن يُهجّر من ذاكرته.
الموقع والمقتنيات يقع بيت التراث التلكيفي في محلة كيزي، إحدى المحلات القديمة الاثنتي عشرة في المدينة. ويجاور مزار مار يوسف الذي يضم رفات ضحايا طوفان تلكيف عام 1949، كما يقع بالقرب من موقع أول مدرسة ثانوية في المدينة وساحة الاحتفالات، ما يجعل موقعه جزءاً من الذاكرة المحلية، وليس مجرد مكان لعرض المقتنيات. ويتميز البيت باحتوائه على مجموعة من المقتنيات التراثية التي ارتبطت بحياة أبناء تلكيف وخصوصية بيئتها وعاداتها، من بينها أدوات الزراعة مثل الگرگرا، والجرجر، والمذراة (ملخاوا)، التي تعكس طبيعة الحياة الزراعية التي شكلت جزءاً مهماً من تاريخ المدينة. كما يضم أدوات منزلية كانت تستخدم في إعداد الطعام وتجهيزه، مثل الجاون، والمدك، والجاروشة (ستا، خشولا، گرستا)، إضافة إلى الخوانا بأشكال وأحجام مختلفة. ويحتوي البيت أيضاً على عدد من المقتنيات المنزلية الفخارية، ومنها التلما، والقوخايثا، وسندا، ولينا، وهي قطع تعكس جانباً من الحياة اليومية والعادات المنزلية التي كانت سائدة في تلكيف قديماً. ولا تكتسب هذه المقتنيات أهميتها من قدمها فحسب، بل من القصص والدلالات الاجتماعية والثقافية التي تحملها؛ فكل أداة ترتبط بطريقة عيش أو مهنة أو عادة كانت جزءاً من حياة أبناء المدينة، لتتحول داخل البيت إلى شاهد على تفاصيل الحياة التي عاشها الأجداد. جاءت معظم القطع من عائلة المؤسس وأقاربه، وكانت محفوظة في سرداب منزل جده بعد تحرير المدينة. كما قدم أبناء تلكيف والقرى المجاورة عدداً من المقتنيات، فيما اشترى عمران قطعاً أخرى لما تحمله من قيمة تاريخية واجتماعية. وتلقى البيت كذلك مجموعة من القطع من فريق شراغا التطوعي العامل في المنطقة. ويقول جربوع إن القطعة التي يقدمها أحد أبناء المدينة قد تكون جزءاً من تاريخ عائلته، لكنها تصبح بعد وصولها إلى البيت جزءاً من تاريخ تلكيف كلها.
الزوار وخطط التطوير يستقبل البيت أبناء المدينة والمهتمين بالتراث، إلى جانب الوفود والضيوف والزائرين من خارجها. ويطمح القائمون عليه إلى تطوير المكان وإعادة تأهيله بما يجعله أكثر ملاءمة لاستقبال الزوار، مع الحفاظ على طابعه المعماري التراثي. وتشمل الخطط المستقبلية تحسين أساليب عرض المقتنيات، وإضافة وسائل حديثة للتوثيق والتصوير وحفظ المعلومات المتعلقة بكل قطعة، بما يضمن وصولها إلى الأجيال المقبلة. ولا تقتصر رؤية جربوع على تلكيف، إذ يأمل أن تمتد أهمية المشروع إلى قرى المنطقة، مثل باطنايا وباقوفا وغيرها، التي لا تمتلك متاحف تراثية خاصة بها توثق تاريخها وموروثها الثقافي.
مبادرة تطوعية يقوم البيت أساساً على الجهود التطوعية ومساهمات أشخاص قدموا مقتنيات أو دعماً للمشروع، فيما يأمل مؤسسه في الحصول على دعم إضافي لتطوير المكان وتأهيله وحفظ مقتنياته وتوسيع نشاطاته. وفي رسالته إلى أبناء تلكيف وأبناء شعبنا، يؤكد عمران أن المدن لا تعيش بالحجر وحده، بل بذاكرتها أيضاً. فقد تتغير البيوت والأزقة، وقد يبتعد الإنسان عن مدينته، لكن التراث يبقى شاهداً على تاريخ أهلها وحياتهم. ولهذا، فإن بيت التراث التلكيفي ليس مجرد متحف، بل مساحة تجمع أبناء المدينة حول ذاكرتهم، ونافذة لأبناء تلكيف في المهجر للتعرف إلى جذورهم وهويتهم وتاريخ عائلاتهم.
ذاكرة لا تموت لا يستطيع بيت التراث إعادة أبناء تلكيف إلى بيوتهم، لكنه يحفظ جانباً من المدينة التي عاشوا فيها، ويجعل ذاكرتها متاحة للأجيال القادمة. فكل صورة ومقتنى ووثيقة داخله تروي جزءاً من قصة مدينة وأهلها، وتؤكد أن غياب الإنسان عن مدينته لا يعني غيابها من الذاكرة. بيت التراث التلكيفي ليس مجرد متحف؛ إنه محاولة لحفظ ما تبقى من ذاكرة مدينة، وصون صلتها بأبنائها أينما كانوا. ويتوجه القائمون على البيت التراثي بالشكر إلى مجلة اخبار الكلدان – كالديان نيوز- على اهتمامها بتراث مدننا وذاكرة شعبنا، وإتاحة هذه المساحة والمقالة للتعريف بالمشروع وتاريخ مدينة تلكيف