ألبلدات المسيحية في سهل نينوى

Visitors learn how villagers once lived in Telkeppe.

بقلم د عضيد ميري

الجزء الأول (القوش – تلكيف)

تمتلك اسماء المدن والقرى المسيحية في العراق جذوراً تاريخية عريقة تعود للغات الآرامية، السريانية، والآشورية وتُركز هذه الأسماء بمعانيها على السمات الجغرافية، أو الزراعية، أو الدينية، وتشكل موروثاً مهماً في مناطق سهل نينوى وإقليم كردستان وتشكل صورة من الموزايك التاريخي الفريد للمنطقة. وفي شمال العراق وسهل نينوى مواطن كثيرة للآثار والكنائس والأديرة ومدن وقرى وبلدات عامرة يسكنها خليط من أقوام من الكلدان والسريان والأشوريين والعرب والأكراد والأزيدين والتركمان ويتكلمون بلغات شتى، مثل السورث (ألأرامية العامية) والعربية والكردية والتركمانية. وفي وسعنا القول ان مازخرت به هذه المنطقة يمثل جملة عصور مرت ببلاد الرافدين يبلغ مداها آلاف السنين، إذ قام فيها دويلات وحضارات مختلفة، ومنها ما إزدهر في ايام الأشوريين والحوريين وغيرهم من الشعوب القديمة، ومنها ماعلا شأنها فيما بعد، ومنها من عانت من التغيرات السياسية والديموغرافية، فهذه البقعة الجغرافية تكاد تكون مثلثة الشكل وتمتد بين نهر دجلة غرباً والزاب الأعلى شرقاً وجنوباً وتنتهي في الشمال بسلسلة جبال القوش وباعذرا. ولتكتمل الصورة والرحلة التاريخية والثقافية عبر تراث بلاد ما بين النهرين العريق، وحول هذا الموزايك التاريخي الفريد، وللتعرف أكثر على هذه المدن التاريخية، وشبكة الأديرة والبلدات الكبرى التي صاغت الهوية المسيحية السريانية والكلدانية في سهل نينوى عبر العصور سنتناول في هذه المقالة تفاصيل أعمق حول التاريخ، التراث، وأبرز المعالم لأهم المراكز المسيحية العريقة والبلدات المسيحية التي لها في الماضي تاريخ طويل حافل بالأحداث ومنها مازال عامر بأهلها والسكان وتتضمن المقالة قائمة أبرز أسماء المدن والقرى المسيحية وأصولها ومعاني اسماءها وكنائسها ومشاهيرها، ولخصنا البلدات على السياق الهجائي حسب الحروف الأبجدية ليسهل ترتيبها متابعتها وترتيبها في المقالات التابعة.

القوش تقع في شمال محافظة نينوى على بعد 45 كم شمالي الموصل، وتتبع ادارياً لقضاء تلكيف وتستند إلى سفح جبل يعرف بأسمها (القوش) او باعذرا ، واختلف الباحثون في اصل تسمية القوش والتسمية تعود إلى الآرامية وتعني «إله القوس» أو «قرية الإله شمش»، والتسمية مشتقة من الكلمتين الآراميتين «إيل/ الإله» و «قوش/ القوس» ليكون المعنى الإجمالي (إله القوس). هناك رأي بأن التسمية ارامية أكدية الجذور مركبة من كلمتين ( إيل = إله) و (قوشتا/ كوشتو = اله القوة او إله الحق). ولعل اقدم المراجع السريانية التي ذكرت القوش يرجع زمن تاليفها الى اواخر القرن الثامن للميلاد وذلك في كتاب مطران البصرة ايشوعد ناح، وفي خزانة دير السيدة قصيدة مخطوطة لداديشوع قطرايا كتبت سنة 1289 ميلادية وفيها إشارة الى كونها كتبت في دير الربان هرمزد قرب القوش. تشتهر بكونها مركزاً دينياً وتاريخياً مهماً، وتُعد واحدة من أقدم البلدات المسيحية المستمرة في السكنى، وترتبط تاريخياً باليهودية أيضاً حيث يقع فيها قبر النبي ناحوم الإلقوشي وهواحد أنبياء العهد القديم وكاتب احد اسفار العهد القديم من الكتاب المقدس المعروف بسفر ناحوم وحازت القوش شهرة واسعة بسبب انتساب النبي ناحوم الألقوشي لها، وهو أحد الأنبياء اليهود الأثني عشر الصغار. وهناك موضعان بأسم القوش احدهما قرية في ارض الجليل في فلسطين والثاني في شمال سهول نينوى وتحقيق انتساب النبي ناحوم الى احدى هاتين البلدتين كان وما زال موضع نظر وبحث بين علماء الكتاب المقدس والمعنيين بالجغرافية والتاريخ ومن يقرأ سفر ناحوم يتضح له ان النبي ناحوم كان على علم جيد باحوال منطقة نينوى فقد تنبأ في ايام الملك حزقيا عام 726 قبل الميلاد بخراب نينوى قبل حصوله في 612 ق.م . كانت القوش في بدء نشؤها قرية صغيرة يتعبد سكانها في الأجيال التي سبقت المسيحية بالديانات الأشورية الموروثة في جغرافية المنطقة الى ان حل بينهم مجاميع من الأسرى اليهود الذين تم جلبهم كسبايا اثر الحملات العديدة التي شنها الملوك الأشوريون خلال القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد وتم توطين هؤلاء السبايا في مناطق مختلفة من الدولة الأشورية ومن ضمن هذه المناطق العاصمة نينوى والقوش شمالاً و(باشيبا) التي تبعد مسافة 4 كم شمال غرب كرمليس، والتي كانت معسكرا للأسرى بدلالة اسمها الذي يعني (بيت السبي). وعندما استوطن هؤلاء اليهود ومن بينهم النبي ناحوم في القوش تأثر بعض سكان البلدة بهذه الديانة الجديدة فاعتنقها قسم منهم واصبح في البلدة طائفتان وثنية ويهودية واستمر الحال هكذا حتى بلوغ الفجر المسيحي ودخول الديانة المسيحية في القرن الرابع الميلادي واصبحت المسيحية هي السائدة وتنصرت معظم العائلات اليهودية ما عدا القلة التي بقيت متمسكة بعقيدتها اليهودية وتأدية الفروض والشعائر الدينية في معبد هيكل ناحوم الألقوشي. كانت القوش مركز البطريركية الكلدانية فقد اقام فيها أحد عشر بطريركا بين سنة 1504-1778م ، ومن أبرز المعالم فيها دير (السيدة مريم العذراء حافظة الزروع) وهو دير تاريخي كبير يقع عند مدخل البلدة، ودير (الربان هرمزد) الذي هو دير أثري منحوت في صخور جبل القوش ويعود للقرن السابع الميلادي، وكان مركزاً لكرسي كنيسة المشرق لقرون وسنتنوله بالتفصيل في مقالة قادمة عن أشهر ألأديرة في شمال العراق. وفي القوش كنائس تأريخية وأول كنيسة شيدت فيها منذ اقدم الأزمنة كنيسة مار كوركيس التي سُميّت باسم القديس الشهيد تيمنا بقداسته وهناك كنيسة مار ميخا النوهدري التي بناها في ديره ومدرسته لكي يجتمع فيها الرهبان والطلاب للصلاة والعبادة وكنيسة مريم العذراء التي أنشئت سنة 1806م. برز في القوش خطاطون ومؤلفون وكتاب ومؤرخون كثيرون، وحفظ لنا التاريخ اول كاتب وخطاط القوشي الذي ترهب في دير الربان هرمزد كان يعرف بالراهب إيشوع الألقوشي والكتاب مؤرخ في سنة 1200م وموجود في مكتبة دير السيدة. ومن خطاطي العصر الحديث المقدسي القس يوسف القس ايليا هومو الشهير بخطه الجميل وكان صديقاً لوالي الموصل أمين باشا الجليلي وله كتابين بعنوان (حوذرا كبيرة) محفوظة في كنيسة مسكنتة في الموصل وكتابات اثرية داخل هيكل مريم العذراء وهي كنيسة بهيكل واحد في فناء كنيسة مار كوركيس. ومن اهم مراحل المسيرة الدينية في هذه البلدة قدوم (مار ميخا النوهدري) عام 414 م والربان (هرمزد) تلميذ الربان (برعيتا) وتأسيس ديره في جبل القوش شمال شرق البلدة عام 640 م واصبح الدير من اشهر واهم الأديرة في كنيسة المشرق ومركز للجاثلقية المشرقية (النسطورية – الكلدانية) . كان في القوش عام 1767 (500 اسرة من بينها 100 اسرة كاثوليكية والبقية نسطورية) ونتيجة لإستياء الطائفة النسطورية من قانون الوراثة البطريركية الذي كان سائدا حينذاك قرر ابنء الطائفة انتخاب بطريرك جديد لهم هو (سولاقا بن دانيال بلو) رئيس دير الربان هرمزد وارسلوه الى روما ليتقبل الرسامة من البابا يوليوس الثالث في روما في 21 نيسان 1553 بأسم بطريرك بابل على الكلدان وأطلق على مؤيديه والمنتمين الى كنيسته اسم (الكلدان) وهم المتكثلكون من ابناء الطائفة المشرقية النسطورية . وفي حدود 1780 لم يبقى في القوش من النساطرة غير عائلة البطاركة (بيت ابونا).

تلكيف هي واحدة من أعرق وأبرز البلدات المسيحية الكلدانية في شمال العراق، وتقع على بعد 15 كم شمال شرقي مدينة الموصل وتُعد مركزاً تاريخياً وثقافياً فريداً في سهل نينوى. ارتبط اسم هذه البلدة عبر الأجيال بالهجرة والانتشار، حيث ينحدر منها جزء كبير من الجالية الكلدانية المغتربة في العالم (خاصة في ولاية ميشيغان الأمريكية). كان عدد سكانها أكثر من10,000 في منتصف العقد الماضي ، وإذا اضيف الى هذا العدد كل من غادر وترك البلدة الى سائر الجهات داخل وخارج العراق فقد يبلغون اكثر من 30000 نسمة. اسم البلدة مؤلف من لفظتين ومشتق من الآرامية/السريانية ( - تل كيبي) ويعني «تل الحجارة». بُنيت المدينة بالقرب وفي محيط تل أثري قديم يجاورها، والذي يعتبر من اهم الدلائل على قدمية هذه البلدة ويرى علماء الآثار (مثل الدكتور بهنام أبو الصوف) أن هذا التل يعود إلى العصور الآشورية والأكدية، ويمتد تاريخ الاستيطان فيه إلى عصر الوركاء والعبيد (الآلاف الرابع والخامس قبل الميلاد). وكانت تلكيف تُعتبر تاريخياً بمثابة ضاحية أو حصن دفاعي متقدم لمدينة نينوى العظيمة عاصمة الإمبراطورية الآشورية لوقعها قرب تل أثري جوانبه مرصوفة بحجارة ضخمة، وإتخذه الناس مقبرة لذلك من الصعوبة إجراء تنقيبات للوقوف على ما ينطوي تحته من أثار. يتكون الأسم تلكيف/تلكيبة اي» تل الحجارة” أو “تل الصخر» من كلمتين تلا” (التل) و(«كيبا) (الحجر أو الصخر) في الآرامية، وهي واحدة من أعرق وأبرز البلدات المسيحية الكلدانية في شمال العراق، وتُعد مركزاً تاريخياً وثقافياً فريداً في سهل نينوى، وهي من أكبر وأشهر بلدات سهل نينوى، وتتميز بهجرتها الواسعة وعلاقاتها التجارية التاريخية مع مدينة الموصل القريبة التي تبعد 30 كيلومتراً فقط. وتحولت تلكيف تاريخياً من قرية زراعية كبرى تحيط بها عشرات القرى إلى مركز قضاء رسمي عام 1970. واشتهرت قديماً بنسخ المخطوطات السريانية والكلدانية التي تعود للقرون من السابع عشر إلى العشرين. وتأريخ تلكيف قديم العهد، ولعل أقدم ما يمكن إتخاذه دليلاً على قِدمها هو كتابات (زينفون) قائد الحملة اليونانية شمال بلاد الرافدين في القرن الرابع قبل الميلاد ، فقد جاء بكتابه (أناباسيس) اي الصعود أن الجيش اليوناني سار بالقرب من قلعة تبعد أربعة أميال شمال الموصل ، وحل بجانب قرية ذات غلات كثيرة وهناك جمع لجيشه مؤونة كبيرة. و إستنادا الى احد المخطوطات المحفوظة في دير السيدة بألقوش أن راهبا مسيحيا مر بتلكيف في القرن التاسع الميلادي بينما كان في طريقه الى القوشن ويذكر العلامة كًوركًيس عوادان في خزانة متحف برلين للمخطوطات، مخطوطة كلدانية كتبت في تلكيف سنة 765م وهي أقدم واعثر عليه من مخطوطات كتبت في هذه البلدة. ومن أبرز المعالم الدينية والأثرية فيها هو كنيسة قلب يسوع الأقدس: تُعد المعلم الأبرز والأكبر وهي في الواقع مجمع يضم ثلاثة كنائس شُيدت بارتفاع شاهق وهندسة معمارية مميزة. وكنيسة قلب يسوع شيدت على انقاض كنيسة مار قرياقوس القديم والتي كانت جزأ من دير يعرف بنفس الإسم بوشر في بناءها عام 1911 وانتهى عام 1931م وجنبها وملاصق لها كنيسة مار بطرس وبولص والتي بنيت على نفقة التلكيفية ترازيا ابنة القس بطرس أسمرالتي توفيت في باريس ومعبد العذراء الذي أنشء عام 1940 على انقاضكنيسة مندثرة شيدت عام 1846م. وهناك تل تلكيف الأثري (المقبرة الحالية): هو التل الذي منح البلدة اسمها. تحول بمرور الزمن إلى المقبرة التاريخية للمدينة، ويحتوي في باطنه على طبقات أثرية ممتدة لآلاف السنين. وفي خزانة متحف برلين مخطوطة كلدانية كتبت في تلكيف سنة 765 ميلادي، وذكر المؤرخين أن هناك نسخة من الإنجيل المقدس مكتوبة على الرق سنة 290 م وتعد أقدم مخطوطة. وهناك عشرات من المخطوطات الكلدانية قد تفرقت في عدة متاحف (برلين، لندن، كيمبرج، باريس، ليننينغراد) وأديرة ( السيدة، كركوك، عقرة) ترجع الى عصور متأخرة تشير إلى أنها كتبت في تلكيف وأن مؤلفها من أهل هذه البلدة . وتضم البلدة عدة مزارات يرتادها الأهالي للتبرك وإقامة الصلوات والطقوس الموسمية منها:مزار مار يوسف في محلة كيزي الذي له قدسية خاصة ولانه يضم رفات الطفال الذين غرقوا عام 1949م بسبب السيول التي إجتاحت البلدة ، ومزار أولاد مرت شموني، ومزار المردنية الأثري. الهوية والتراث الشعبي واللغة هي الكلدانية، وحافظ سكان تلكيف تاريخياً على التحدث بلهجة خاصة من اللغة الآرامية الحديثة (السورث). ويلتزم أهالي تلكيف (التلكيفيون) بشدة بصوم نينوى (باعوثا دنيـنوايـه): هذا الصوم التقليدي الذي يستمر لثلاثة أيام، استذكاراً لتوبة أهالي نينوى القدامى وصومهم مع النبي يونس. إشتهر في تلكيف مؤلفين وخطاطين وشعراء منهم البطريرك يوسف الثاني معروف و العلومي شمؤئيل جميل والشاعر توما تكتك والخطاط فرنسيس ميري والشماس المؤلف والمعلم يوسف ميري. كما من بين ألأعلام وهم كثيرون نذكر البطريرك يوسف الثاني ال معروف الذي كان يعتبر فيلسوف الكنيسة الكلدانية والكاتبة والرحالة ماري تيريز اسمر والصحفية مريم نرمي والمؤرخ يوسف هرمز جمووالصحفي والمؤلف روفائيل بابو اسحاق والقس ميخائيل ججو بزي. وتم تقسيم البلدة إداريا الى 12 محلة عام 1890م يرأس كل منها مختار يكون مسؤلا عن المحلة امام السلطات الحاكمة في الموصل وهي: 1- شنكًو 2- عبرو 3- كًيزي 4- شعيوتا 5- أسمر 6- أورو 7- قاشات 8- يلدا 9- دخو 10- شمامي 11- ما شموني 12- سامونا. تعاقبت على البلدة عبر تأريخها أحداث جسيمة؛ فقد تعرضت للنهب على يد المغول عام 1508م، وعانت من الأوبئة مثل الطاعون عام 1826م، وصولاً إلى موجات النزوح القاسية عقب حالات الإعدام عام 1963وهجوم تنظيم داعش على سهل نينوى عام 2014م.

المصادر: ويكيبيديا، كوركيس عواد - مدير مكتبة المتحف العراقي / تحقيقات بلدانية تأريخية أثرية، أثار نينوى تاريخ تلكيف تأليف يوسف هرمز جمو، كنيسة المشرق في سهل نينوى تأليف المهندس حبيب حنونا، القوش عبر التاريخ تأليف المطران يوسف بابانا ، مقالة الكاتب منذر كًله