من بلاد الرافدين إلى النجومية:
من بلاد الرافدين إلى النجومية: الهوية الكلدانية تأتي في المقام الأول لدى كلوديا حنا حوار خاص لمجلة Chaldean News أجراه: حنّان قيا
بين أروقة الفن العربي وأضواء النجومية، تبرز الفنانة وملكة جمال العرب السابقة كلوديا حنا كصوت رافديني فريد، استطاع أن يحمل هويته الكلدانية وثقافته العريقة إلى أوسع المحافل الفنية والإعلامية. من طفولة بغدادية تفيض بذكريات قريتي باطنايا وتللسقف، إلى محطات الاغتراب والدراسة الأكاديمية بين مسارح مصر وشاشاتها، ظلت كلوديا متمسكة بروح تراثها ولغة أجدادها، معتبرة أن الفن رسالة والاعتزاز بالأصل واجب وحضارة. في هذا الحديث الخاص لمجلة «Chaldean News»، يُحاور حنّان قيا النجمة العراقية الكلدانية في حوار استثنائي، تفتح فيه قلبها مستعيدةً محطات المسيرة، ذكريات البدايات، وقوة الانتماء الذي لا يغيب.
بين باطنايا وتللسقف.. نداء الجذور Chaldean News — لنبدأ من الجذور: حدّثينا عن نفسك، عائلتك، وأين ولدتِ ونشأتِ في العراق، وما أبرز الذكريات التي تركتها تلك البيئة في شخصيتك وحياتك؟ كلوديا: أنا كلوديا نجاح زيا حنا حنّقلا؛ فتاة كلدانية حتى النخاع. والدي من بلدة «باطنايا» ووالدتي من «تلكيف/تللسقف» (من عائلة بي ججو)، وكلمة «حنّگلا» تعني حنا أيضاً بلغتنا الكلدانية. وُلدتُ في العاصمة بغداد، وتعود بي أبرز ذكريات الطفولة إلى تلك الزيارات العائلية الدافئة لقريتي باطنايا، وكذلك زياراتنا لتللسقف. تركت هذه البيئة أثراً عميقاً لا يُمحى في تكوين شخصيتي؛ فرغم أننا هاجرنا من العراق في سن مبكرة، إلا أن بيتنا ظل محتفظاً بالروح الكلدانية الأصيلة؛ نتحدث لغتنا الكلدانية الأم كلغة يومية في المنزل، ونحافظ على تقاليدنا، أكلاتنا، وأعيادنا وتفاصيل هويتنا أينما كنا.
لغة المسيح وفخر الانتماء Chaldean News — ماذا يعني لكِ أن تكوني عراقية وكلدانية؟ وكيف تعبّرين عن اعتزازك بالعراق وبتراثك وثقافتك الكلدانية، خصوصاً وأنتِ اليوم معروفة في الوسط الفني العربي؟ كلوديا: أن أكون كلدانية هو مصدر فخر عظيم وشرف لا متناهٍ. نحن الكلدان شيدنا حضارة عظيمة علّمت العالم، ومن أرضنا خرج أبونا إبراهيم الخليل. أعتز بلغتي الكلدانية لأنها لغة يسوع المسيح. أحرص دائماً على أن أكون سفيرة لهويتي؛ ففي جميع المحافل الفنية العربية والمقابلات الإعلامية أرفع رأسي وأقول بفخر: „أنا كلدانية“. حتى في أعمالي الفنية، قدمت عملاً غنائياً مزجت فيه بين الكلدانية والمصرية لأعرّف الجمهور العربي على ثقافتنا وموسيقانا. قمت بكل ذلك بمجهود وإصرار شخصي كامل دون دعم، إيماناً مني بأن حضور هويتنا واجب علينا، خصوصاً وأن مجتمعنا الكلداني تفرق في بلدان المهجر خلال العقود الصعبة الماضية قبل عصر الانفتاح الرقمي والتواصل الحديث.
الخطوات الأولى نحو الأضواء Chaldean News — كيف بدأت رحلتك في عالم الفن والإعلام والموديلينغ؟ وما المحطة أو الفرصة التي شعرتِ عندها أن هذا الطريق يمكن أن يتحول من موهبة وبداية إلى مسيرة ونجومية؟ كلوديا: بدأت رحلتي حين هاجرنا وتوزعت محطات حياتنا الأولى بين لبنان وسوريا ثم الأردن. عملت في البداية في مجال الموديلينغ وعروض الأزياء. ولعل الملامح الكلدانية لعبت دوراً كبيراً؛ فالمرأة الكلدانية معروفة تاريخياً وحاضراً بجمالها المميز، وأناقتها، ورقيّها وحضورها اللافت. من الموديلينغ انتقلت إلى محطات وتجارب جديدة، حتى جاء التحول المفصلي في مسيرتي عند تتويجي بلقب „ملكة جمال العرب“ عام 2006. كان هذا الفوز جواز العبور إلى مصر والانطلاق نحو مسيرة احترافية في الغناء والتمثيل.
تنوع التجربة: من الإعلان إلى المسرح والسينما Chaldean News — حدثينا عن أبرز محطات مسيرتك الفنية، من الموديلينغ إلى التمثيل والإعلام والغناء، وما الأعمال أو التجارب التي تركت أثراً خاصاً في حياتك؟ كلوديا: كانت محطة الموديلينغ في لبنان وسوريا بداية التأسيس، تلاها خوضي مجال الإعلام والتقديم عبر شاشات ومحطات عراقية من الأردن، إلى جانب عملي الإعلاني. وعند انتقالي إلى مصر بعد اللقب الجمالي، عُرضت عليّ أدوار عديدة، لكنني كنت أبحث عن صقل هويتي الفنية. خضت تجربة الغناء بشغف كبير، وأطلقت أغاني تركت صدى جميلاً، أبرزها وأنجحها جماهيرياً أغنية „اشتغالات“ والعمل الذي دمجت فيه اللهجة المصرية باللغة الكلدانية. بعدها توجّهت للتمثيل الأكاديمي، فدرست في معهد الفنون المسرحية وتدرّبت في مركز الإبداع الفني بدار الأوبرا المصرية تحت إشراف المخرج د. خالد جلال. شاركت في مسلسلات وأفلام سينمائية مصرية، وحصدت جوائز تكريمية متعددة وشاركت في لجان تحكيم بمهرجانات عربية دولية، وكان دافعي الدائم أن أسهم في إعلاء اسم الفنان الكلداني العراقي في العالم العربي والمهجر. تاج الجمال والذاكرة العراقية Chaldean News — كان فوزك بلقب ملكة جمال العرب محطة مهمة في مسيرتك. ماذا تتذكرين من تلك التجربة، وكيف أثرت في حياتك وفتحت أمامك أبواباً جديدة في الفن والإعلام؟ كلوديا: تتويجي بلقب ملكة جمال العرب عام 2006 كان نقطة التحول الكبرى والانطلاقة الحقيقية لمسيرتي. هذه التجربة فتحت أمامي كافة الأبواب الفنية والإعلامية على مصراعيها، وقربتني من الجمهور العربي والمصري. الطريف في الأمر، أنه رغم مسيرتي الطويلة لاحقاً وتنوع أعمالي بين التمثيل والغناء والتقديم، والتي يعرفها الجمهور العربي جيداً، إلا أن الجمهور العراقي تحديداً في الداخل لا يزال يربط اسمي دوماً باللقب ويقولون: „ملكة جمال العرب كلوديا“؛ فقد بقي هذا اللقب محفوراً في ذاكرتهم كأيقونة لبداياتي.
بين شغف القانون والتمرد الفني Chaldean News — بعيداً عن الفن والشهرة، حدثينا عن دراستك وتحصيلك العلمي ودور الأسرة في تكوين شخصيتك. وهل كان هناك أشخاص أو مواقف كان لها تأثير خاص في اختيارك لطريقك؟ كلوديا: أكاديمياً، درست التمثيل والإخراج المسرحي وفنون الارتجال. في مرحلة سابقة، كان حلمي الشخصي دراسة القانون وممارسة المحاماة في مجال القضاء الجنائي، لكن الصعوبات القانونية المتعلقة باشتراط جنسية البلد لممارسة هذه المهنة حالت دون استمراري في هذا المسار، إذ لم أكن أرغب بأن أكون مجرد مستشارة قانونية تجارية في مكتب. أما الأسرة، فرغم حبهم ودعمهم لي لاحقاً، إلا أنهم في البداية لم يكونوا مشجعين لدخولي الوسط الفني؛ كانوا يفضلون دراستي لإدارة الأعمال أو القانون. اختياري لطريقي كان قراراً شخصياً بحتاً نابعاً من تمرّدي وشغفي بالفن منذ طفولتي المبكرة في العراق. كنت مسحورة بعالم الفن، وأصررت على أن أخوض هذا التحدي بمفردي وبثقة كاملة.
رسالة إلى المهجر وأجيال المستقبل Chaldean News — في ختام هذا اللقاء، ماذا تحبين أن تقولي لأبناء وبنات شعبنا الكلداني في أميركا والعالم، وللجيل الجديد خصوصاً، عن الهوية الكلدانية والعراق، وعن تجربتك في الحياة والفن، وما تطمحين إلى تحقيقه مستقبلاً؟ كلوديا: أود أن أقول لأهلي وإخوتي وأخواتي من أبناء شعبنا الكلداني في أمريكا والعالم: افتخروا بجذوركم وبهويتكم الكلدانية العريقة؛ فكلدانيتنا فخر وشرف. رسالتي الخاصة للجيل الجديد هي التمسك بلغتنا الكلدانية الجميلة والحفاظ عليها في بيوتكم. أنا فخورة جداً بشعبنا؛ فهم أينما حلوا يتركون أثراً مضيئاً؛ شعب دؤوب، مثقف، صاحب أخلاق راقية وذوق رفيع ونقاء قلب، وناجح في كل مجالات العمل والحياة. نحن شعب يحمل الحضارة في جيناته أينما ذهب. أشكركم من القلب على محبتكم ودعمكم المتواصل لي، وطموحي المستمر هو تعزيز التواصل أكثر مع جاليتنا الكلدانية في كل مكان، وأن أظل دائماً وجهاً مشرفاً ينقل صورة تليق باسم العراق وشعبنا الكلداني العظيم.