البلدات المسيحية في سهل نينوى - الجزء الثاني

Old church tower in Baqoofa

البلدات المسيحية في سهل نينوى - الجزء الثاني بقلم الدكتور عضيد ميري

في الجزء الأول من هذه السلسلة، استعرضنا البلدات المسيحية العريقة «ألقوش» و»تل كيف»، وهما بلدتان يمتد تاريخهما عبر القرون، وساهمت كنائسهما وأديرتهما وتقاليدهما وسكانهما في الحفاظ على التراث المسيحي لسهل نينوى. وتتواصل الحكاية مع ثلاثة بلدات متجاورة: «باقوفا» و»بطنايا» و»تلسقف». ورغم أن لكل بلدة تاريخها ومعالمها وتقاليدها الخاصة، إلا أن قصصها تشترك في العديد من السمات المميزة لتجربة المسيحيين في سهل نينوى؛ كالجذور الضاربة في القدم، والارتباط العميق بالأرض، والموروث الديني والثقافي الغني، فضلاً عن فترات متكررة من الاضطهاد والتهجير والدمار. فمن الآثار والكنائس التاريخية في «باقوفا»، إلى دير «بطنايا» الذي يعود تاريخه لقرون خلت وتقاليدها الزراعية، وصولاً إلى دور «تلسقف» الراسخ كمركز للحياة المسيحية الكلدانية؛ تقدم هذه المجتمعات نافذة أخرى تطل على التاريخ الطويل للمسيحية في شمال العراق، كما تعكس قصصها صمود أناسٍ ظلوا -رغم الهجرة والاضطرابات- متمسكين بقرى أجدادهم، وساعين للحفاظ على إيمانهم ولغتهم وتقاليدهم.

باقوفا باقوفا قرية صغيرة وهادئة تقع في قضاء تلكيف ضمن سهل نينوى، على بعد حوالي 30 كم (19 ميلاً) شمال الموصل. تقع القرية مقابل «تللسقف» وتبعد مسافة 3 كم (ميلين) تقريباً عن قرية «بطنايا». وتوجد بالقرب منها قرية أخرى تُعرف باسم «عرب باقوفا» يقطنها مسلمون. ورغم صغر مساحتها، تتمتع باقوفا بتاريخ عريق يمتد لآلاف السنين، وتتميز بطابعها المعماري التقليدي وتراثها الثقافي. يُشتق اسم القرية من العبارة الآرامية-السريانية «بيت قوفا” (Beth Qofa). وقد طُرح تفسيران رئيسيان لمعناه: «بيت السلال» (أو «مكان القصب والخشب») و»المكان المليء بالأشجار» أو «موضع الأشجار». وهناك تفسير أقل شيوعاً يترجم الاسم على أنه «مكان الجمجمة.» تقع باقوفا فوق وبجوار تلين أثريين متلاصقين، وقد كشفت الحفريات التي أُجريت في القرن التاسع عشر عن قطع فخارية وجرار تخزين ونقوش مسمارية، مما يشير إلى أن الموقع كان مأهولاً بالسكان خلال العصر الآشوري. ورد ذكر القرية لأول مرة في مخطوطات سريانية تعود للقرن السابع الميلادي، وتحديداً في سيرة «ربان هرمزد»، حيث ذُكر أن سكانها ساهموا في تشييد دير ربان هرمزد الشهير الواقع بالقرب من بلدة ألقوش. وعلى غرار العديد من البلدات المسيحية المجاورة، عانت باقوفا من غزوات متكررة، بما في ذلك التهجير المؤقت لسكانها إبان احتلال تنظيم «داعش» لسهل نينوى عام 2014 يُعدّ «دير مار جرجس» (القديس جاورجيوس) التاريخي المعلم الأبرز في القرية؛ وهو كنيسة حجرية قديمة شُيّدت باستخدام الحجارة الخشنة والجص وطوب اللبن. تحيط بالكنيسة أسوار عالية ومقبرة القرية القديمة، وتتميز بمدخل ملكي منحوت بإتقان يؤدي إلى قدس الأقداس، وتزينه نقوش سريانية تعود لعملية ترميم جرت عام 1868. كما تضم ​​المقبرة مزار القديسة شموني. تحتضن «باقوفا» أيضاً كنيسة حديثة مكرسة للسيدة العذراء تحت اسم «ملجأ المسيحيين»، حيث تم تكريس مذبحها عام 2024 بفضل جهود الأبرشية الكلدانية في ألقوش، وشُيّدت الكنيسة لتعزيز الحضور المسيحي في المنطقة، وتتميز بأيقونة بارزة مستوحاة من الصلاة المريمية القديمة «تحت ظل حمايتك». وتضم القرية أيضاً ديراً لراهبات الدومينيكان (بنات مريم الكلدانيات)، اللواتي يلبّين الاحتياجات الروحية والاجتماعية للأسر المحلية. ومن أبرز أبناء «باقوفا» المطران يعقوب أوجين مانا (1867–1928)، الذي كان واحداً من أهم العلماء الكلدان في عصره. رُسِم كاهناً عام 1889 وأصبح أسقفاً عام 1902، ويُذكر له بشكل خاص تأليفه للقاموس الكلداني-العربي الهام «دليل الراغبين في لغة الآراميين». يتحدث السكان الأصليون لغة «السورث» (الآرامية الحديثة) إلى جانب اللغة العربية. واليوم، ينتمي جميع السكان إلى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، رغم أن القرية كانت تابعة تاريخياً لكنيسة المشرق. وتشتهر «باقوفا» بخصوبة أراضيها واعتمادها على الزراعة المطرية؛ فهي تنتج بعضاً من أجود أنواع القمح والشعير في سهل نينوى، وتوفر مراعي ممتازة للأغنام والماشية. ورغم هجرة العديد من العائلات - لا سيما إلى الولايات المتحدة وأوروبا - إلا أن أهالي «باقوفا» لا يزالون مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بقريتهم؛ إذ يواصلون دعم كنائسها والحفاظ على تقاليدهم الدينية، ولا سيما احتفالات «أحد الشعانين» والعيد السنوي لشفيع القرية، القديس مار جرجيس.

بطنايا بطنايا بلدة مسيحية تاريخية تقع في قضاء تلكيف ضمن سهل نينوى، على بعد حوالي 24 كم (15 ميلاً) شمال الموصل. يحدها من الشمال قريتا تللسقف وباقوفا، ومن الجنوب بلدة تلكيف، ومن الشرق دير مار أوراها، ومن الغرب قرية كفروخ. غالبية سكانها من الكلدان الكاثوليك الذين يتحدثون اللغة السورث (الآرامية الحديثة). اعتمدت البلدة تاريخياً على الزراعة، وتشتهر بشكل خاص بصناعة الحصير من القصب الذي ينمو في الأراضي الرطبة المحيطة بها. يُعتقد أن الاسم القديم للبلدة كان «بيت مادي» باللغة الآرامية، ويعني «بيت الميديين» أو «قرية الميديين»؛ وهو ما يعكس تقليداً يشير إلى استقرار مجموعة من الميديين هناك في القرن السابع بتوجيه من الراهب إبراهيم أوراها. ويرجع باحثون آخرون «بيت التي تعددت تفسيراتها بين «بيت الغيرة»، أو «بيت الاجتهاد»، أو «بيت الطين». كما تحتفظ المصادر السريانية بتفسيرات أخرى، مما يبرز حالة عدم اليقين المحيطة بأصل تسمية البلدة. يُعتقد أن المسيحية وصلت إلى بطنايا خلال القرن السابع الميلادي بفضل الجهود التبشيرية للراهب (ربان) أوراها -وهو معاصر للبطريرك إيشوعياب الثاني (628-644)- الذي أسس ديراً غرب القرية. وفي عام 1729، انضم السكان إلى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، منهين بذلك ارتباطهم السابق بكنيسة المشرق. يُعد دير مار أوراها أهم معالم بطنايا، ويقع على بعد حوالي 1 كم (0.6 ميل) شرق البلدة. تأسس الدير في القرن السابع على يد ربان أوراها -تلميذ ربان هرمزد- وأصبح مركزاً روحياً هاماً قبل أن يتعرض للتراجع والاندثار. وفي منتصف القرن السابع عشر، قام الأب هرمزد بن نور الدين بترميم الدير وإعادة بناء كنيسته وإضافة قلالي (غرف) للرهبان، مما أدى إلى إحياء الحياة الرهبانية فيه. ولا يزال الدير اليوم وجهة رئيسية للحج، حيث يجذب آلاف الزوار سنوياً في الأحد الثاني بعد عيد الفصح. تضم البلدة أيضاً العديد من الكنائس التاريخية، منها كنيسة مار قرياقوس (القديس كيرياكوس) - وهي الكنيسة الأقدم والرئيسية في بطنايا، حيث جرى تجديدها عام 1944 ومرة ​​أخرى بعد الصراعات الأخيرة. وتشمل الكنائس البارزة الأخرى كنيسة العذراء مريم، ودير القديس يوسف الذي تديره راهبات الدومينيكان، ومزار القديسة شموني الواقع داخل مقبرة البلدة. تشير السجلات التاريخية إلى أن عدد سكان بطنايا بلغ حوالي 900 نسمة عام 1767. وعندما زارها الباحث البريطاني «إي. إيه. واليس بادج» في القرن التاسع عشر، سجل وجود ستين عائلة فقط. ومع ذلك، شهدت البلدة نمواً سكانياً كبيراً بحلول أواخر القرن العشرين، لتصبح اليوم واحدة من البلدات المسيحية الرئيسية في سهل نينوى، رغم أن الهجرة والصراعات الأخيرة قد أثرت بشكل ملحوظ على تركيبتها السكانية. على مدى قرون، اعتمدت البلدة على ثلاثة مصادر تقليدية للمياه: خزانات مياه الأمطار (الكًيماتا)، ونهر الخوصر، والعديد من الآبار، التي أُضيفت إليها لاحقاً الآبار الارتوازية. ولا تزال الزراعة تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي، في حين شهد قطاع التعليم توسعاً مطرداً بفضل إنشاء مدارس ابتدائية وثانوية، مما أتاح لأجيال من الطلاب مواصلة تعليمهم العالي في جامعة الموصل. لقد عانت بطنايا من دمار متكرر عبر تاريخها؛ فقد دُمِّرت خلال الحملة الفارسية التي قادها نادر شاه ضد الموصل عام 1743، كما تعرضت لدمار هائل مرة أخرى أثناء احتلال تنظيم «داعش» لسهل نينوى عام 2014. وعقب سقوط الموصل في 10 يونيو 2014 والهجوم على سهل نينوى في 6 أغسطس، حيث أُجبر جميع السكان المسيحيين على النزوح؛ وتعرضت الكنائس والمنازل والمباني العامة للنهب والتخريب، وظلت البلدة مهجورة حتى تحريرها. ورغم أن عمليات إعادة الإعمار قد أعادت لبطنايا الكثير من ملامحها، إلا أن العديد من السكان السابقين لا يزالون متفرقين في أنحاء العراق ودول المهجر؛ فقد عاد البعض لإعادة بناء منازل أجدادهم، بينما استقر كثيرون آخرون بشكل دائم في الخارج. ومع ذلك، ورغم كل هذه المحن، تظل بطنايا رمزاً لصمود المجتمعات المسيحية في سهل نينوى وتمسكها الراسخ بوطن الأجداد.

تلسقف تُعد بلدة تلسقف -التي تقع على بعد حوالي 30 كم (19 ميلاً) شمال الموصل و7 كم (4 أميال) شمال باطنايا- واحدةً من أكبر وأقدم البلدات المسيحية في سهل نينوى، وتأتي في المرتبة التالية لكل من قره قوش وتل كيف وألقوش. وقد حافظت البلدة عبر تاريخها على روابط ثقافية وتاريخية وثيقة مع بلدة تل كيف المجاورة. يعني اسمها الأصلي باللغة الآرامية-السريانية «تلا زقيبا» () «التل المرتفع» أو «تل الصليب»، وهي تسمية تعكس طبيعة التلة المرتفعة التي نشأت عليها البلدة. تشير الأدلة الأثرية إلى أن تاريخ تلسقف يعود إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد. وقد ورد ذكرها في كتاب «معجم البلدان» للجغرافي ياقوت الحموي (الذي عاش في العصور الوسطى) بوصفها قرية كبيرة تابعة لمنطقة الموصل، كما تشهد المخطوطات السريانية والكلدانية المحفوظة في أرشيفات الأبرشيات على تراثها المسيحي العريق. وقد انضم السكان تدريجياً إلى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية خلال القرن الثامن عشر، وذلك بعد قرون من الارتباط بكنيسة المشرق. تتمتع تلسقف بأراضٍ زراعية خصبة، ولطالما اشتهرت بزراعة القمح والشعير. كما اكتسبت شهرة إقليمية في صناعة الفخار وجرار المياه الفخارية الكبيرة التي كانت تُورَّد إلى الموصل والعديد من القرى المحيطة. ومن أبرز معالمها كنيسة «مار يعقوب المقطع» (مار يعكًوب المقطّع) الأثرية، التي تُعد واحدة من أقدم كنائس البلدة؛ ورغم تعرضها لأضرار خلال الغزوات المتعاقبة -بما في ذلك الهجمات المغولية- فقد أُعيد بناؤها عدة مرات. ومن المعالم الهامة الأخرى كنيسة «مار كوركيس» (القديس جاورجيوس)، التي شُيدت في الأصل أواخر القرن الثامن عشر وجرى توسيعها في سنوات لاحقة. وتحتفظ البلدة أيضاً بمجموعة قيمة من المخطوطات السريانية والكلدانية، بما في ذلك كتاب «حدرا» الذي يعود تاريخه إلى عام 1698، في حين توجد مخطوطات أخرى نُسخت في تلسقف خلال القرن التاسع عشر محفوظة في متحف برلين. ويقع شرق البلدة دير «مار بنيامين» التاريخي، المرتبط تقليدياً بمار بنيامين، مؤسس دير الزعفران (دير القديس حنانيا) الشهير. ولا يزال الموقع -الذي أصبح الآن جزءاً من مقبرة البلدة- وجهةً هامةً للحج، لا سيما في اليوم الثاني من عيد الفصح. وعلى غرار العديد من المجتمعات المسيحية في سهل نينوى، عانت «تلسقف» من غزوات وعمليات تدمير متكررة؛ فقد أدت الهجمات المغولية في عامي 1436 و1508 إلى دمار البلدة، حيث طال الخراب المنازل والكنائس والأراضي الزراعية، وأسفرت تلك الهجمات عن خسائر بشرية فادحة. وفي العصر الحديث، استقبلت البلدة العديد من العائلات المسيحية النازحة عقب أعمال العنف الطائفي التي اندلعت بعد عام 2003، وشهدت في 23 أبريل 2007 تفجيراً بسيارة مفخخة أودى بحياة أكثر من خمسة وعشرين شخصاً. وخلال هجوم تنظيم «داعش»، خضعت «تلسقف» للاحتلال لفترة وجيزة في أغسطس 2014، وتعرضت لهجوم آخر في شهر مايو 2016 ضمن حملة عسكرية واسعة النطاق استهدفت شمال العراق. وسرعان ما استعادت القوات العراقية -بدعم من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة- السيطرة على البلدة. وعقب تحريرها في عام 2017، عادت مئات العائلات إليها مستفيدةً من جهود إعادة الإعمار المكثفة التي دعمتها الحكومة المجرية، التي ساهمت في ترميم مئات المنازل المتضررة وإصلاح الكنائس والمباني العامة. ومع ذلك، هاجر العديد من السكان السابقين بشكل دائم إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة. واليوم، تظل «تلسقف» واحدة من المراكز الرئيسية للحياة المسيحية الكلدانية في سهل نينوى، حيث تحافظ على تراثها الآرامي وتقاليدها الدينية وهويتها الثقافية الضاربة في القدم، وذلك رغم موجات النزوح وعمليات التجدد المتكررة التي مرت بها.

الخاتمة إن تاريخ كل من «باقوفا» و»بطنايا» و»تلسقف» يتجاوز كونه مجرد سردٍ لأخبار بلدات وكنائس وأديرة قديمة؛ فهي قصص لمجتمعات صمدت أمام قرون من الاضطرابات، وظلت راسخة الجذور في إيمانها ولغتها وتقاليدها. ورغم أن الحروب والتهجير والهجرة قد غيّرت معالم سهل نينوى وشتتت الكثير من أبنائه في أصقاع الأرض، إلا أن الرابط الذي يجمعهم بهذه البلدات المتوارثة عن الأجداد لا يزال قوياً. فمن خلال الحفاظ على الكنائس والمواقع المقدسة، واستمرار استخدام اللغة «السورث»، والتقاليد التي تتوارثها العائلات سواء في الوطن أو في بلاد المهجر، يظل إرث هذه المجتمعات حياً ومباركاً ومستمراً. المصادر: ويكيبيديا، كوركيس عواد، مدير مكتبة المتحف العراقي(تحقيقات بلدانية تاريخية أثرية)، يوسف هرمز جمو (آثار نينوى وتاريخ تلكيف) ، المهندس حبيب حنونا (كنيسة المشرق في سهل نينوى)، المطران يوسف بابانا (القوش عبر التاريخ)، مقالة الكاتب منذر كَلّه.