كلدان سوريا… تاريخ حافل ومستقبل مجهول

حنّان قيّا

في حلب، تقف كاتدرائية مار يوسف شاهدةً على أبرشية بناها مطارنتها حجراً فوق حجر عبر السنوات، من قاعة العذراء إلى كنائس القامشلي والحسكة وتل شامية. واليوم لم يبقَ لهذه الأبنية سوى نحو عدد صغير من الكلدان في سوريا كلها، يتركزون في بعض المدن، بعدما غادر الشباب وأصحاب الأعمال. هذه الكنائس المبنية لجماعة تتناقص هي الصورة التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال. أردتُ أن أعرف المكوّن الكلداني في سوريا عن قرب، وأن أطلع على تاريخه الطويل. وفي سبيل ذلك أتيحت لي فرصة الحديث مع شخصيتين بارزتين من كلدان سوريا. بدأتُ مع سيادة المطران أنطوان أودو، مطران حلب للكلدان، الذي قدّم لي نبذة عن وجودهم وخطوطهم التاريخية العريضة. غير أن مشاغله الرعوية لم تترك له وقتاً للتفاصيل، فقد كان مشاركاً في فعاليات زيارة قداسة البابا ليو الرابع عشر إلى فرنسا، ثم في قداس الشركة الكنسية بروما في منتصف تشرين الأول برئاسة غبطة البطريرك مار بولس الثالث نونا. وبعد ذلك يحضر أعمال السينودس الكلداني، وتليها زياراته الرعوية. لذلك نصحني بالتواصل مع الشماس والباحث نوري إيشوع مندو، ابن إحدى العائلات الكلدانية المعروفة، وأكد لي أنني سأجد عنده التفاصيل والأرقام. وهذا ما رواه لي الشماس، وقد أعدتُ تحديث بياناته وأرقامه في هذه السطور. والشماس نوري إيشوع مندو من مواليد القامشلي عام 1957، وهو شماس وباحث وشخصية معروفة في أوساط الكنيسة الكلدانية.

جذور تمتد إلى بدايات المسيحية

يقول الشماس إن وجود أبناء كنيسة المشرق في سوريا يعود إلى بدايات العصور المسيحية، ولذلك سببان. الأول سياسي وعسكري، فرضته الحروب الطاحنة بين مملكتي الفرس والروم، إذ كان المنتصر يسوق أعداداً كبيرة من أسرى الطرف المهزوم ويُسكنهم في مناطق نفوذه كي لا يهربوا. والثاني ديني، فقد دفعت اضطهادات ملوك الفرس للمسيحيين كثيرين منهم إلى اللجوء إلى المناطق الخاضعة للمملكة الرومانية المسيحية، حفاظاً على أرواحهم وعلى حرية معتقدهم. ومع تكاثرهم وازدهار أعمالهم، أسسوا أبرشيات وخورنات ترعاهم روحياً. ومن الشواهد التاريخية على مكانتهم المبكرة ما حدث عام 630 ميلادية، حين أوفدت ملكة فارس “بوران” بعثة دبلوماسية إلى الإمبراطور “هرقل”، الذي كان مقيماً حينها في حلب، لعقد صلح بين المملكتين. ترأس البعثة جاثليق المشرق مار إيشوعياب الجدالي، ومعه وفد رفيع من المطارنة والأساقفة، وانضم إليهم أسقف الجماعة الكلدانية في بلاد الشام. استقبلهم هرقل بحفاوة، وتم الصلح على يد الجاثليق. وفي تلك المناسبة أُعيد عود الصليب المقدس إلى أورشليم بعدما كان في حوزة الفرس. ومن مشاركة أسقف دمشق في ذلك الوفد يُستنتج أن أبناء كنيسة المشرق استقروا في دمشق منذ منتصف القرن الخامس، وأن بعضهم كان ينتمي إلى قبائل عربية. كان لهم في دمشق كنيستان: الأولى قرب بيت “أبي الماشكي” في الحي المسمى اليوم بالقيمرية، والأخرى عند مدخل سوق النقاشين، على بعد نحو مئة متر شرق المسجد الكبير. وبقيتا قائمتين بعد الفتح الإسلامي، إلى أن تحولتا إلى مسجدين قبل نهاية الألف الأول. وفي العهد العباسي لمع اسم دمشق الكلدانية بشكل لافت. فقد شارك مطرانها في رسامة الجاثليق طيمثاوس الأول عام 780 ميلادية، والذي منحه لقب “مطرابوليط” وسلطة واسعة شملت أسقفيات حلب وأورشليم ومنبج والمصيصة وطرسوس وملاطية. وفي حدود عام 800 ميلادية تولى هذا الكرسي العلامة إيليا الجوهري، صاحب المؤلفات الكثيرة. وحين نزل الخليفة المأمون في دمشق عام 830 ميلادية، استقبله مطران الكنيسة مار سبريشوع أحسن استقبال، وأقام الخليفة ضيفاً عنده. وبعد ثمانية وعشرين عاماً زارها الخليفة المتوكل، فاستقبلته المدينة استقبالاً حافلاً. ولما سأل عمّن نظّم هذا الاستقبال قيل له إنه “سركيس”، مطران نصيبين الذي كان موجوداً في دمشق آنذاك، فوهبه الخليفة على الفور عشرة آلاف درهم.

حلب بين الازدهار والتراجع

ومع مطلع الألفية الثانية نما أبناء هذه الكنيسة نمواً كبيراً. ففي حلب وحدها بلغ عددهم عام 1380 ميلادية نحو 5700 أسرة، يخدمهم مطران اسمه مار متى بمعاونة أسقفين وأربعين كاهناً، وكانت لهم ثلاث كنائس هي الأربعين شهيداً ومار قرياقس ومار إشعيا الحلبي. لكن انضمام قسم من أبناء كنيسة المشرق إلى الكنيسة الكاثوليكية على يد الجاثليق سولاقا بلو عام 1553 ميلادية فتح باب تنافس حاد، وبسبب كثافة عددهم أصبحت حلب ساحة صراع على سيطرة البطاركة. ومن القصص اللافتة ما جرى عام 1630 ميلادية، حين أوفد الجاثليق إيليا السابع مرسلين لاتين لتدبير شؤون الكلدان في سوريا. ولأن المرسلين لم يكونوا خبيرين بالطقوس الشرقية، قرؤوا في صورة العماد كلمة “عمد” على أنها فعل ماضٍ، واعتبروها غير صحيحة، وطالبوا بإعادة العماد. فرُفعت القضية إلى الكرسي الرسولي في روما، وبعد الدراسة أُقرّت صحة الصورة، ولامت الكنيسةُ المرسلين الذين أقلقوا راحة رعية حلب. وهذا يعكس الأهمية التاريخية لهذه الكنيسة. أما القرن الثامن عشر فشهد تراجعاً طويلاً. ففي عام 1729 ميلادية أصدر الباب العالي في إسطنبول فرماناً يقضي بنوع من الاتفاق بين سلطتين متنافستين، فمُنحت سلطة النساطرة لأبرشيتي الموصل وحلب، وسلطة الكلدان لأبرشيتي ديار بكر وماردين. وانعكس ذلك سلباً على أحوال الكنيسة في سوريا، إذ لم يسمح بطاركة النساطرة لكنيستنا الكلدانية بإرسال أساقفة وكهنة يرعون شؤونها، فاضطر كثيرون للانضمام إلى كنائس اللاتين والروم والموارنة، وذابوا فيها. ومع ذلك لم تنطفئ الشعلة. ففي مطلع القرن التاسع عشر بدأت هجرة عائلات كلدانية من بغداد والموصل وديار بكر، وتزايدت مع السنين. ولم تكن لهم كنائس ولا كهنة من طقسهم، فتولى الآباء الفرنسيسكان خدمتهم في حلب ودمشق.

من النيابات إلى الأبرشية

يضيف الشماس أنه بعد ذلك التفتت البطريركية الكلدانية إلى تأسيس نيابات بطريركية. ففي حلب أسس البطريرك يوسف أودو النيابة عام 1872 ميلادية. وكان قد مرّ بالمدينة عام 1870 ميلادية، فاشترى أرضاً في حي العزيزية من آل الحمصي الكرام، وبنى عليها كنيسة صغيرة دُشنت عام 1876 ميلادية على اسم الرسولين بطرس وبولس. وفي دمشق تأسست النيابة عام 1895 ميلادية في عهد البطريرك عبد يشوع الخياط، واشترى الأب عبد المسيح المارديني عام 1897 ميلادية عقاراً في حي باب توما، أقام فيه كنيسة على اسم قلب يسوع. ومع الربع الأول من القرن العشرين امتدت النيابات إلى دير الزور عام 1904، وإلى إسكندرونة عام 1920 في عهد البطريرك يوسف عمانوئيل توما، الذي اشترى في كل منهما بيتاً واسعاً ليكون مصلى ومسكناً للخوري. وظلت إسكندرونة تحت رعاية الكنيسة الكلدانية إلى أن سُلخ لواؤها عن سوريا وضُم إلى تركيا أواخر الثلاثينيات. وفي الفترة نفسها، بعد أن قضت الحروب والاضطهادات على أعداد غفيرة من كلدان سعرت وديار بكر وماردين والجزيرة ووان، نزح الناجون منهم إلى الجزيرة العليا. فأرسلت الكنيسة الخوري أوغسطين خرموش إلى الحسكة، والأب جبرائيل كني إلى القامشلي. وفي عام 1936 ميلادية عيّنت روما الخوري فيليبس شوريز مديراً رسولياً على الجزيرة العليا (الحسكة والقامشلي والمالكية)، فتنقل بينها وأنجز مشاريع خيرية وأسس مراكز جديدة حتى وفاته عام 1938 ميلادية. وإضافة إلى ذلك، عيّنت البطريركية عام 1939 ميلادية مطراناً مدبراً على كلدان سوريا ولبنان هو مار جبرائيل نعمو، ومقره حلب، واستمر في خدمته حتى عام 1957 ميلادية. وفي تلك السنة قرر المجمع البطريركي الكلداني المنعقد في بغداد تأسيس أبرشية كلدانية في سوريا تكون حلب مقرها الدائم، واختير لها المطران بولس شيخو، الذي نُقل من عقرة والزيبار، وخدم حلب بجد. ثم انتُخب بطريركاً للكنيسة الكلدانية عام 1958، وخدمها إحدى وثلاثين سنة حتى وفاته عام 1989 ميلادية. خلفه عام 1959 المطران إسطيفان بلّو، المولود في القوش عام 1910، فخدم الأبرشية ثلاثين سنة بهمة وحكمة. وشهد عهده تشييد كاتدرائية مار يوسف في حلب، ودار كبيرة للمطرانية، وقاعة كبيرة باسم العذراء، وتحويل الكنيسة القديمة إلى مجمع تجاري ضخم باسم بناية البطريرك يوسف أودو. كما شيّد كنيسة مار كيوركيس بالمالكية، ومدرسة الكفاح الكلدانية بالقامشلي، ودار سكن للكاهن وصفوفاً للتعليم المسيحي وقاعة لنشاطات الشبيبة في الحسكة. وفي عام 1989 تولى المطران أنطوان أودو، المولود في حلب عام 1946، والذي دخل الرهبانية اليسوعية عام 1969، ونال الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة السوربون وإجازة الكتاب المقدس من المعهد البابوي. فشيّد قاعة في المالكية، وديراً في قرية البطار قرب حمص، وكنيسة مار يعقوب النصيبيني بالقامشلي، وكنيسة يسوع الملك بالحسكة، وكنيسة مار زيا في تل شامية، وقاعة في تل عربوش، ورمّم قاعة العذراء بحلب. كما أولى اهتماماً كبيراً بالوافدين من أبناء كنيسة العراق وبالدعوات الكهنوتية، فرُسم في عهده سبعة كهنة.

الحاضر وصورة الراقع الأليمة

واليوم ينقل لنا الشماس نوري إيشوع مندو صورة واقعية أليمة عن البيانات المحدثة لعدد الكلدان. فهو يذكر أن عددهم المتبقي في سوريا حالياً يبلغ نحو 1000 عائلة في كل المراكز، يتركزون في حلب والقامشلي والمالكية والحسكة ودمشق. فقد خسرت الأبرشية غالبية أبنائها بسبب الهجرة، وبالخصوص فئة الشباب والأغنياء أصحاب الأعمال، نتيجة الأحداث التي وقعت عام 2011 وما بعدها. وبشكل عام يوضح الشماس أن أكثر من 70% من مسيحيي سوريا غادروا البلاد، وأن الباقين يفكرون هم أيضاً في الهجرة بسبب ضغوط الحياة الاقتصادية والأمنية. وتحدث كذلك عن أحداث أساسية في هجرة المسيحيين، منها الهجوم الذي شنته تنظيمات “داعش” على قرى نهر الخابور، وهو الشريط الذي ضم 35 بلدة وقرية مسيحية، وسبّب لأهلها التهجير والقتل والدمار، ولم يعد إليها اليوم غير عدد قليل جداً. وأشار أيضاً إلى مدن خلت تماماً من المسيحيين من كل الطوائف، كمدينة دير الزور التي أصبحت اليوم خالية تماماً من مسيحييها.