وجهٌ جديد لكنيسةٍ عريقة
حنّان قيّا في التاسع من نيسان 2026، اجتمع سينودس أساقفة الكنيسة الكلدانية في روما في لحظة حملت الكثير من المعاني لكنيسة تمتد جذورها لأكثر من ألفي عام، وتعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية بين تحديات البقاء والهجرة والحفاظ على الهوية. وبعد أيام من المداولات والصلاة والتمييز الروحي، استقر الاقتراع على انتخاب المطران إميل شمعون نونا بطريركًا جديدًا للكنيسة الكلدانية. وعند قبوله الانتخاب، اختار اسم بولس الثالث، في إشارة حملت أبعادًا روحية وتاريخية معًا، مستلهمًا من شخصية القديس بولس الرسول ومن إرث البطاركة الذين حملوا الاسم ذاته في تاريخ الكنيسة الكلدانية. وقد أوضح في تصريح نُشر على صفحة البطريركية أن هذا الاختيار لم يكن عابرًا، بل يحمل دلالة شخصية وروحية عميقة، قائلاً: “اخترتُ اسم بولس نسبةً إلى شخصين: الأول هو القديس بولس، لأنه شخصية عميقة، ولاهوتي كبير، ومعلّم يقدّم الإيمان بعمق، وفي الوقت نفسه يحمل غيرة رسولية ليُبشّر بهذا اللاهوت ويعلّم الإيمان للآخرين. أما الشخص الثاني فهو البطريرك بولس الثاني شيخو، الذي كان مثالاً في التواضع والرعاية. ولأجل هذين الشخصين اخترتُ اسم بولس”. ولد إميل نونا في القوش عام 1967، وهي واحدة من أكثر البلدات الكلدانية ارتباطًا بالذاكرة التاريخية والروحية لسهل نينوى. هناك تشكلت بدايات شخصيته في بيئة تجمع بين الإيمان والهوية والانتماء العميق للأرض. وفي عام 1991 رُسم كاهنًا في بغداد، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى روما لمتابعة دراساته العليا في اللاهوت الأنثروبولوجي، وهو اختصاص يقوم على دراسة الإنسان في ضوء الإيمان، وهي زاوية ستنعكس لاحقًا على مقاربته الرعوية والإنسانية في مختلف مراحل خدمته. بعد عودته إلى العراق، خدم في أبرشية القوش في مجالات رعوية وتعليمية متعددة، قبل أن يُرسم أسقفًا عام 2010 بعمر الثانية والأربعين، ليصبح آنذاك من أصغر رؤساء الأساقفة الكلدان. لكن المرحلة الأبرز في مسيرته جاءت عندما تسلم مسؤولية إيبارشية الموصل في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ المدينة الحديث. في الموصل لم يكن يتعامل مع تحديات رعوية عادية، بل مع مدينة تعيش تحت ضغط الخوف والعنف وعدم اليقين. ومع اجتياح تنظيم داعش للمدينة عام 2014، عاش تجربة النزوح مع أبناء شعبه، وغادر الموصل باتجاه أربيل مع موجة العائلات المسيحية التي فقدت بيوتها وكنائسها وقراها. هناك، وسط المخيمات وظروف النزوح القاسية، استمرت خدمته الرعوية بوصفها حضورًا إنسانيًا وروحيًا أكثر من كونها مسؤولية إدارية. تلك التجربة تركت أثرًا واضحًا في شخصيته ومسيرته. فالرجل الذي عاد اليوم إلى بغداد بطريركًا لم يقرأ عن النزوح والهجرة في التقارير أو الدراسات، بل عاشهما عن قرب واختبر معنى أن تفقد الجماعة استقرارها وتحاول رغم ذلك الحفاظ على إيمانها وهويتها. في عام 2015 انتقل إلى أستراليا ليتولى رعاية الإيبارشية الكلدانية هناك، لينتقل من تجربة كنيسة تعيش الألم داخل الوطن إلى كنيسة تحاول الحفاظ على ذاكرتها في المهجر. وفي سيدني وملبورن ومدن الانتشار الكلداني، واجه تحديات مختلفة تتعلق بالأجيال الجديدة واللغة والانتماء والاندماج داخل مجتمع غربي سريع التحول. وهناك برز دوره كجسر بين العراق والمهجر، وبين الذاكرة الكلدانية القديمة وواقع الحياة الجديدة في بلدان الانتشار. وفي الثامن عشر من أيار 2026 عاد إلى بغداد، لا كأسقف زائر هذه المرة، بل كبطريرك للكنيسة الكلدانية. حملت العودة رمزية كبيرة لرجل تنقل بين القوش والموصل وأربيل وروما وأستراليا، قبل أن يعود إلى العاصمة العراقية في لحظة تحاول فيها الكنيسة إعادة تعريف حضورها بين الداخل والمهجر. وخلال الأيام الأخيرة من شهر أيار، استقبلته الأوساط الكنسية والشعبية في بغداد وسط أجواء حملت الكثير من الترقب والرجاء، قبل أن يُقام تنصيبه البطريركي رسميًا في كاتدرائية مار يوسف الكلدانية، في حدث تجاوز طابعه الكنسي ليحمل أبعادًا معنوية تتعلق بمستقبل الوجود المسيحي في العراق والمنطقة. اليوم تبدو الكنيسة الكلدانية أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات والأسئلة: كيف يمكن الحفاظ على الحضور المسيحي في العراق؟ كيف يمكن ربط الأجيال الجديدة بهويتها الكلدانية؟ وكيف تستطيع الكنيسة أن تبقى مساحة رجاء في منطقة أثقلتها الحروب والهجرة والتحولات العميقة؟ وسط هذه الأسئلة، تبدو سيرة بولس الثالث نونا وكأنها تلخص كثيرًا من مسار الكنيسة نفسها خلال العقود الأخيرة: من القرى التاريخية في سهل نينوى، إلى النزوح، إلى المهجر، ثم العودة مجددًا إلى بغداد. وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يبدو انتخابه مجرد انتقال إداري داخل المؤسسة الكنسية، بل بداية مرحلة تحاول فيها الكنيسة أن تعيد صياغة علاقتها بالوطن والانتشار والإنسان الكلداني أينما كان.