لمحات عن المُكونات العراقية - الحظوظ والمستقبل والمصير
نساء وفتيات من هورمان في شمال العراق بأزاء زاهية في رقصة تقليدية
العراق أرضٌ ذات تنوع ديني وعرقي وطائفي عميق، مكانٌ ظهرت فيه بعض أقدم الديانات في العالم لأول مرة، وازدهرت فيه الحضارات لآلاف السنين، وتعايشت فيه المجتمعات قبل وقت طويل من نشوء الدولة القومية الحديثة، فمن سهول بلاد ما بين النهرين إلى جبال الشمال، شكّل هذا التنوع البشري فسيفساء العراق الثقافية واللغوية والتقليدية والهوياتية عبر قرون طويلة. ومع ذلك، تواجه اليوم العديد من المُكونات العراقية حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلها، فقد أدت عقود من الحروب، وعدم الاستقرار السياسي، والتطرف، والنزوح، والهجرة إلى تغيير المشهد الديموغرافي والثقافي للبلاد بصورة جذرية، فالمجتمعات التي ازدهرت يومًا ما أصبحت تكافح اليوم بصعوبة للحفاظ على وجودها وتقاليدها وهويتها في وطن أجدادها. وبحسب تصنيفات الأمم المتحدة، تُعرَّف هذه الجماعات بأنها “أقليات”، رغم أن الكثير منها شعوب ومكونات أصلية تمتد جذورها في العراق إلى آلاف السنين، بينما وصلت جماعات أخرى لاحقًا كمستوطنين ولكنها اندمجت عبر الأجيال في نسيج المجتمع العراقي، ولعبت هذه المجموعات مجتمعة، إلى جانب بقية سكان العراق، دورًا أساسيًا في تشكيل الدولة العراقية الحديثة. يستعرض هذا المقال حظوظ ومستقبل ومصير المكونات العراقية، التي اصبحت أقليات متناولًا تجاربها التاريخية والتحديات المعاصرة التي ما تزال تواجهها. التاريخ المُبكر كان العراق على الدوام ملتقى للإمبراطوريات والحضارات والتحولات السياسية، وعلى امتداد تاريخه، خضع حكم المنطقة لقوى عديدة، منها البابليون، والحثيون، والكاشيون، والكلدانيون، واليونانيون، والرومان، والفرس، ثم القوات العربية الإسلامية منذ بدايات القرن السابع الميلادي. وقد أعادت الفتوحات الإسلامية، التي اكتملت نحو عام 650م، تشكيل المشهد الديني والثقافي في المنطقة بصورة جذرية، وبعدها بفترة قصيرة، ظهر انقسام كبير داخل المجتمع الإسلامي. فالذين أيدوا عليًا (ابن عم النبي محمد وصهره) بوصفه الخليفة الشرعي، عُرفوا لاحقًا بالشيعة، بينما أصبح الذين رفضوا قيادته نواة ما بات يُعرف بالتقليد السني. ولا يزال هذا الانقسام التاريخي يؤثر بقوة في الديناميكيات السياسية والاجتماعية في العراق حتى اليوم. ومنذ عام 1534 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، بقي العراق تحت حكم الدولة العثمانية، وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تولت بريطانيا السيطرة بموجب اتفاقية سان ريمو عام 1920 وفرضت انتدابها على العراق. وفي محاولة لتحقيق الاستقرار بين مكونات البلاد المتنوعة، نصّبت بريطانيا الملك فيصل الأول، (وهو هاشمي من نسل النبي محمد)، حاكمًا للدولة العراقية الناشئة. وفي 14 يوليو/تموز 1958، أُطيح بالنظام الملكي في انقلاب عسكري أُعلنت على إثره الجمهورية. وشهدت العقود اللاحقة استمرار عدم الاستقرار السياسي والانقلابات المتعاقبة. وفي عام 1963 استولى القوميون العرب على السلطة، ثم تسلّم حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم عام 1968 ورغم اعتماد دساتير مؤقتة في عامي 1968 و1970، فإن المؤسسات الديمقراطية الفاعلة والقيود الدستورية الحقيقية على السلطة لم تتطور بشكل كامل، واستمر حكم البعث لعقود تحت قيادة سلطوية متزايدة، بلغت ذروتها في عهد صدام حسين. وانتهى حكم البعث في نهاية المطاف عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
العراق اليوم العراق الحديث عبارة عن فسيفساء معقدة من الهويات العرقية والدينية، وبينما يشكل العرب والأكراد غالبية السكان، يضم البلد أيضًا العديد من الأقليات، منها التركمان، والكلدان، والآشوريون، والسريان، والأرمن، والصابئة المندائيون، والشبك، والإيزيديون، والزرادشتيون، والبهائيون، والكاكائيون. يُقدَّر عدد سكان العراق اليوم بنحو 47 مليون نسمة. ويُعد العراق بلدًا ذا أغلبية مسلمة، منقسمًا أساسًا بين الشيعة والسنة، إلى جانب أقليات دينية أصغر. وتشير التقديرات الحالية إلى أن نحو 60–65٪ من العراقيين شيعة، و32–37٪ سنة، رغم أن البيانات الديموغرافية الدقيقة ما تزال غير مؤكدة بسبب غياب تعداد سكاني حديث والحساسيات السياسية المرتبطة بالإحصاءات السكانية. قبل صعود تنظيم داعش، كان العراق موطنًا لما يُقدَّر بـ1.5 مليون مسيحي ( بما في ذلك الكلدان والآشوريون والسريان) إلى جانب نحو 600 ألف إيزيدي، و200 ألف كاكائي، و70 ألفًا من الصابئة المندائيين، و20 ألف أرمني، إضافة إلى مجتمع بهائي صغير. ومن الناحية العرقية، يشكّل العرب ما يقارب 75–80٪ من سكان العراق، بينما يشكّل الأكراد نسبة إضافية تتراوح بين 15–20٪. وتعرّف بعض جماعات الأقليات نفسها كمجتمعات عرقية متميزة، بينما يعتبر آخرون أنفسهم مرتبطين بالسكان الأكراد.
تحديات حقوق الإنسان
لطالما واجهت الأقليات في العراق ضغوطًا سياسية وثقافية واجتماعية، بما في ذلك حملات التعريب والتكريد القسري في المناطق المتنازع عليها. وعلى الرغم من أن دستور العراق لعام 2005 يضمن بعض الحمايات والحقوق، فإن العديد من مجتمعات الأقليات لا تزال تُبلغ عن نقص في الأمن، وضعف في التمثيل السياسي، ومحدودية الوصول إلى التعليم بلغاتها الأصلية.
ولا تزال المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان واسعة الانتشار. إذ يواصل انعدام الأمن، والنزوح، والنزاعات غير المحسومة حول الملكية، والتهميش الاقتصادي التأثير على العديد من مجتمعات الأقليات، ولا يزال آلاف الأشخاص غير قادرين على العودة إلى منازلهم الأصلية بسبب تدمير البنية التحتية، أو احتلال الممتلكات، أو استمرار عدم الاستقرار في المناطق المتنازع عليها. كما وثّقت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية حالات من التمييز، والعقبات في الحصول على وثائق الهوية المدنية، والاستبعاد من المشاركة الكاملة في الحياة العامة. وبالنسبة للعديد من الأقليات، ساهمت هذه التحديات في استمرار الهجرة وفي تصاعد المخاوف بشأن البقاء طويل الأمد لمجتمعاتهم داخل العراق.
غياب الحرية الدينية
الإسلام هو الدين الرسمي للعراق، ويضمن الدستور حرية المعتقد والممارسة الدينية للمسلمين والمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، ومع ذلك، فإن هذه الحمايات لا تمتد بالكامل إلى أتباع جميع التقاليد الدينية، ويعرّف الدستورالإسلام بوصفه دين الدولة و«مصدرًا أساسيًا» للتشريع، ويحظر سنّ قوانين تتعارض مع «الثوابت الإسلامية». وفي الوقت نفسه، ينص على أنه لا يجوز لأي قانون أن ينتهك المبادئ الديمقراطية أو الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.
كما يحمي الدستور صراحةً «الهوية الإسلامية» للشعب العراقي في مسائل الأحوال الشخصية بما في ذلك الزواج، والطلاق، وحضانة الأطفال، والميراث، والأوقاف، تكون الشريعة الإسلامية هي المرجع الأساسي كلما كان أحد الأطراف ينتمي إلى ديانة غير معترف بها رسميًا من قبل الدولة، وعندما تشمل النزاعات غير المسلمين فقط، تكون المحاكم المدنية ملزمة بالرجوع إلى السلطات الدينية المختصة وتطبيق القوانين الدينية ذات الصلة الخاصة بتلك الجماعة.
كما تعكس قوانين الأحوال المدنية في العراق قيودًا دينية. فالنساء المصنّفات كغير مسلمات في الوثائق الرسمية يمكنهن الزواج من رجال مسلمين، لكن النساء المسلمات ممنوعات من الزواج من رجال غير مسلمين. ويُسمح للرجال المسلمين بالزواج من نساء غير مسلمات فقط إذا كانت النساء ينتمين إلى الديانات المسيحية أو اليهودية أو الصابئية المندائية، كما أثّرت ضغوط اقتصادية إضافية على مجتمعات الأقليات، فقد أثّر قانون عام 2023 الذي يحظر حيازة وبيع الكحول بشكل كبير على مصادر رزق العديد من التجار المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، الذين عملوا تاريخيًا في تجارة تسويق وببع الكحول.
التضييق على الأقليات الضعيفة
تاريخيًا، كان العراق يُحتفى به بسبب تنوعه الديني والطائفي اللافت ،على غرار تنوع شعوب الهند في العالم القديم أو الولايات المتحدة في العصر الحديث. وعلى مدى قرون، شكّلت المنطقة وطنًا لبعض أقدم الديانات وأغرب أنظمة المعتقدات في العالم، بما في ذلك المسيحية، واليهودية، والمندائية، والإسلام، والإيزيدية، والتقاليد الكاكائية، والزرادشتية، والتصوف النقشبندي، والديانة البهائية وغيرها.
وقد تعايشت مجتمعاته المتعددة ، بما في ذلك الكلدان، والآشوريون، والسريان، والأرمن، والأزيديون والعرب المسلمون السنة والشيعة، والشبك، والأكراد، والأكراد الفيليون، عبر الأجيال وأسهمت جميعها بشكل كبير في الهوية الثقافية والفكرية والتاريخية للعراق. وبعض هذه المجتمعات تُعد من الشعوب الأصلية التي تعود جذورها إلى أقدم حضارات بلاد ما بين النهرين. بينما وصلت جماعات أخرى لاحقًا كمهاجرين أو مستوطنين واندمجت تدريجيًا في النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي. ومعًا، لعبت هذه المكونات دورًا أساسيًا في تشكيل الدولة العراقية الحديثة والحفاظ على الإرث الحضاري الغني للبلاد.
المسيحيون: الكلدان، الآشوريون، والسريان
يعود أصل مسيحيي العراق ( الكلدان والآشوريين والسريان) إلى الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين، وكانوا في وقت من الأوقات يشكلون غالبية السكان في العراق وبلاد فارس قبل ظهور الإسلام. وعلى مر القرون، تعرضوا للاضطهاد تحت إمبراطوريات مختلفة، بما في ذلك المجازر مثل الإبادة الجماعية المعروفة باسم سيفو عام 1915، ومجزرة سميل عام 1933، ومجزرة صوريا عام 1969، وأخيرًا الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش في الموصل وسهل نينوى. وبعد أن تجاوز عددهم 1.5 مليون نسمة، انخفض عدد المسيحيين في العراق إلى أقل من 125 ألفًا، يعيش معظمهم في بغداد، ونينوى، وأربيل، ودهوك.
الإيزيديون
الإيزيديون هم جماعة دينية أصلية قديمة تتمركز في شمال العراق، لا سيما حول لالش، أقدس مواقعهم. يمزج دينهم بين عناصر من التقاليد القديمة لبلاد ما بين النهرين، والزرادشتية، والمسيحية، والإسلام، ويحتل ملك طاووس، الملاك الطاووس، مركز معتقداتهم. وقد عانى الإيزيديون قرونًا من الاضطهاد، بلغ ذروته في الإبادة الجماعية التي ارتكبها داعش عام 2014 في سنجار ومنطقة نينوى. واليوم، لا يزال الكثير منهم نازحين، رغم استمرار وجود مجتمعات إيزيدية في سنجار، وشيخان، ودهوك، والمناطق المحيطة بها.
المندائيون
المندائيون، المعروفون أيضًا باسم الصابئة، هم آخر ديانة غنوصية باقية في العالم، وقد عاشوا لقرون على ضفاف نهري دجلة والفرات، وتتمحور عقيدتهم حول التوحيد، والمعرفة الروحية، والتعميد المتكرر بالمياه الجارية. ويجلّون يوحنا المعمدان باعتباره أعظم أنبيائهم، ويحفظون تعاليمهم في الكتاب المقدس كنزا ربا. وبعد أن كان عددهم يقارب 70 ألفًا في العراق، فرّ معظم المندائيين بعد عام 2003، ويعيش الكثير منهم اليوم في السويد وأستراليا والولايات المتحدة.
الأرمن
عاش الأرمن في العراق لقرون، مع وجود مجتمعات لهم في البصرة، وبغداد، والموصل، وكركوك. وقد لجأ الكثير منهم إلى العراق خلال الإبادة الجماعية الأرمنية عام 1915 تحت الحكم العثماني. ورغم قلة عددهم اليوم إذ يُقدّر عددهم بنحو 3,000 شخص فقد قدم الأرمن مساهمات مهمة للمجتمع العراقي في مجالات التجارة، والطب، والهندسة، والفنون. ويعيش من تبقى منهم الآن في أربيل، ودهوك، وزاخو.
الزرادشتيون
الزرادشتية، تعتبر إحدى أقدم الديانات التوحيدية في العالم، وهي تسبق كلًا من المسيحية والإسلام. وتؤكد تعاليمها على “الأفكار الطيبة، الكلمات الطيبة، الأعمال الطيبة”. وقد حافظ العديد من الزرادشتيين الأكراد على دينهم بهدوء لأجيال حتى اعترفت حكومة إقليم كردستان رسميًا بالدين عام 2015. واليوم، تعمل المجتمعات والمعابد الزرادشتية بشكل علني في أربيل والسليمانية.
اليارسان – الكاكائيون
الكاكائيون، المعروفون أيضًا باسم اليارسان أو “أهل الحق”، هم أقلية دينية تتركز في شمال وشرق العراق. يمزج دينهم بين عناصر من الإسلام، والزرادشتية، والتقاليد القديمة لبلاد ما بين النهرين، ويتم تناقله إلى حد كبير شفهيًا. ولسنوات، واجهوا الاضطهاد من جماعات متطرفة مثل داعش والقاعدة، مما دفع بعض المجتمعات إلى تشكيل مجموعات للدفاع الذاتي لحماية قراهم وهويتهم.
البهائيون
للديانة البهائية روابط تاريخية مع العراق من خلال بهاء الله، مؤسس الديانة، الذي عاش في منطقة السليمانية خلال فترة نفيه. وبينما لا تزال الديانة مقيدة بموجب القانون الاتحادي العراقي، يتم الاعتراف بالبهائيين رسميًا في إقليم كردستان، حيث يمكنهم ممارسة شعائرهم علنًا والاحتفال بأعيادهم الدينية.
اليهودية
عاشت المجتمعات اليهودية في العراق لأكثر من 2,500 عام، ولعبت يومًا دورًا رئيسيًا في الحياة الثقافية والاقتصادية للبلاد. وكانت مدن مثل بغداد والبصرة والحلة موطنًا لجاليات يهودية مزدهرة قبل الهجرة الجماعية في منتصف القرن العشرين. أما اليوم، ووفقًا لتقديرات غير رسمية من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة إقليم كردستان، لم يتبقَّ سوى ما بين 100 و250 فردًا يهوديًا في إقليم كردستان، ولا يوجد أي منهم في بغداد أو محافظات العراق الأخرى. وهم لا يمارسون عباداتهم علنًا. كما أن الكثيرين لا يكشفون عن هويتهم خوفًا من التمييز أو الإضطهاد.
الهوية الوطنية العراقية المتصدعة
لا تزال الهوية الوطنية العراقية تعاني من انقسامات عميقة، تشكلت بفعل روايات دينية وعرقية وسياسية متنافسة. فكثيرًا ما تتعارض الرؤى السنية والشيعية والكردية لماضي العراق وحاضره ومستقبله، مما يجعل المصالحة الوطنية صعبة ويضعف الإحساس المشترك بالانتماء. ونتيجة لذلك، يضع العديد من العراقيين ولاءهم للقبيلة أو الطائفة أو الفصيل السياسي بدلًا من الدولة نفسها. وغالبًا ما تتحمل الأقليات العبء الأكبر من هذا الاضطراب. إذ لا يزال التطرف الديني، وهشاشة المؤسسات، والتمييز، وانعدام الأمن يغذي الخوف وعدم اليقين بين المجتمعات الضعيفة، وعلى الرغم من جذورها التاريخية العميقة ووطنيتها وولائها للعراق، فقد تعرضت العديد من الأقليات مرارًا للعنف والتهجير والتهميش والإضطهاد.
ومنذ عام 2003، ساهم التأثير الخارجي (وخاصة من إيران) في تعميق هذه الانقسامات. ويعتقد كثير من العراقيين أن تنامي النفوذ الإيراني السياسي والديني ونفوذ الميليشيات قد أضعف سيادة العراق وقلل من وضوح هويته الوطنية. كما أن الانتشار الواسع للصور الدينية والسياسية الإيرانية والجماعات المسلحة المرتبطة بها زاد من مخاوف العديد من المواطنين من تزايد الهيمنة الأجنبية الفارسية على الحياة العامة العراقية.ةكما أدى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 إلى تعميق الانقسامات الطائفية من خلال ترسيخ نظام سياسي قائم على المحاصصة يربط السلطة السياسية بالهوية الطائفية والعرقية، وبدلًا من تعزيز الوحدة، عزز هذا النظام انعدام الثقة والتنافس والتناقض بين المكونات المختلفة.
كان من الممكن أن يشكل تنوع العراق أساسًا لهوية وطنية قوية وشاملة. لكن عقودًا من الصراع، والتدخلات الخارجية، والسياسات الطائفية عمّقت التفكك الاجتماعي. وما لم يتمكن العراق من بناء هوية وطنية تحتضن جميع مكوناته على قدم المساواة، فمن المرجح أن يواصل البلد معاناته من عدم الاستقرار، وانعدام الثقة، والانقسام لعقود قادمة.
هل لا يزال هناك مستقبل للأقليات في العراق؟ في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تطرح الأقليات سؤالاً مؤلماً بشكل متزايد: هل لا يزال لنا مستقبل هنا؟ بالنسبة للعديد من الأقليات في العراق، لا تزال الحياة اليومية مشوبةً بالخوف وعدم اليقين وعدم الاستقرار. فالتطرف الديني لا يزال قائماً، والمؤسسات الحكومية هشة وفاسدة، والدولة مفككة وضعيفة والهوية الوطنية العراقية منقسمة بشدة. في ظل هذه الظروف، غالباً ما تتحمل الأقليات على الرغم من جذورها التاريخية العميقة وولائها لوطنها وطأة العنف والتهجير والتمييز. فمثلاً شهد المسيحيون، على وجه الخصوص، انخفاضاً حاداً في أعدادهم، وباعت عائلات منازل كانت ملكاً لأجيال من الأجداد، تاركةً وراءها كنائس فارغة وقرى مهجورة وذكريات وقروناً منسية من التاريخ، ورحلت بحثاً عن الأمان والاستقرار في دول اخرى، فكل عائلة تغادر لا تمثل خسارة للمجتمع المسيحي فحسب، بل خسارة أيضاً لثراء العراق الثقافي والتاريخي. وأجبر هذا الواقع العديد من الأقليات على مواجهة أسئلة صعبة وشخصية للغاية مثل: • ما هو مستقبلنا في العراق؟ • من سيحمينا من الاضطهاد أو التهجير؟ كيف يمكن ضمان المساواة في الحقوق والحرية الدينية الحقيقية؟ كيف يمكن للأقليات المشاركة سياسياً بما يخدم الصالح العام بدلاً من المصالح الطائفية؟ لا تزال هذه الأسئلة بلا إجابة شافية، مع أنها جوهرية لمستقبل العراق، لأن المكونات والأقليات ليسوا غرباء أو ضيوفاً عابرين في البلاد، بل هم مجتمعات أصيلة، تاريخها متجذر في أسس الحضارة الرافدية والدولة العراقية الحديثة، وتستمر لغاتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وتراثهم الثقافي في إثراء هوية العراق ، وإن حماية هذه المجتمعات ليست مجرد واجب حكومي وإنساني، بل ضرورية للحفاظ على تنوع العراق واستقراره ومستقبله كمجتمع تعددي مسالم. وعلى الرغم من عقود من المعاناة ومآسي الحروب والنزوح، لا تزال العديد من الأقليات متمسكة بالآرض وألأمل: أمل في المساواة في المواطنة، وأمل في الأمن والسلام، وأمل في أن تعيش الأجيال القادمة بحرية في أرض أجدادهم.